الناصرية ليست ثورة واحدة بلا ثلاث ثورات
عبدالناصر أول حاكم مصري مُستقل منذ ألوف السنين
انتقلت السُّلطة في شخص قائدها من تمثيل الطبقة الوسطى إلى تمثيل قاعدة اجتماعية أوسع
تحل علينا اليوم ذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، الأب الروحي لحركات التحرير العربي والأفريقي في النصف الثاني من القرن العشرين، والذي نادى بوحدة عربية، وسياسات اشتراكية، وإقامة ديمقراطيات شعبية تنحاز لطبقة العمال والفقراء والكادحين.
ولا يمكن الفصل بين عبدالناصر، وثورة 23 من يوليو 1952، إذ إنها النواة التي انطلقت منها تجربته، والتي لاقت دعمًا كبيرًا من مثففي زمانه، أمثال: طه حسين، وسلامة موسى، وزكي نجيب محمود، وجلال أمين، ومحمود أمين العالم، وغيرهم.
وتعد ثورة 1952 نقطة تحول جذري في الفكر المصري بوصفه عملية عقلية قائمة على التحليل والتركيب والتنسيق، وتتمتع بطبيعة مميزة عن غيرها من الثورات، وهذا ما سيتم توضيحه في السطور القادمة.
تنقسم الثورات إلى قسمين: قسم يُعنى بالبنية الفوقية وقسم يُعنى بالبنية التحتية.
وما يُعنى بالبنية الفوقية، فتُسمى بالثورة الراديكالية والتي تحدث تغيرًا جذريـًا في مجتمعات، مثل تغير نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، أو تغير حال المجتمع من مجتمع تنويري ومتحرر إلى مجتمع ذي نزعة فاشية أصولية، مثل: الثورة الإسلامية في إيران 1979 بقيادة الخميني، وحال تركيا بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وقيام الدولة الحديثة تحت ظلال أتاتورك.
أما ما يُعنى بالبنية التحتية، فالثورة هنا أشبه بالحَراك أو الاحتجاج، مثل ثورة 1919، ويضاف معها بسبب المؤامرات التي حِيكت لها ثورة عرابي باشا، التي أثبتت بعض الدراسات التاريخية رغبة الجيش المصري وقتها بتحويل مصر إلى جمهورية، ما دفع محمود سامي البارودي إلى فكرة تعين عرابي باشا خديوي لمصر، حسب ما ذكر المؤرخ المصري الراحل الدكتور عبدالعظيم رمضان، ولم تتحقق رغبة ناظر الجهادية، ونُفي بعدها عربي، ووقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882.
أما ثورة يوليو فلها شأن خاص، فربما يُعتقد أنها ثورة راديكالية بينما الموضع يختلف عن المنظور السائد؛ إذ يُفصل الدكتور غالي شكري طبيعة الثورة في كتابه «الثورة المضادة في مصر» إلى ثلاث ثورات على ثلاث فترات مختلفة.
وللتوضيح، يرى شكري أن ثورة 23 يوليو هي جزء أصيل من الإيديولوجيا الناصرية التي تعبر عن أفكار وأحلام وفلسفات جمال عبدالناصر؛ إذ يقول: «نظلم الناصرية لو قلنا إنها ثورة واحدة، فالحقيقة أنها كانت ثلاث ثورات، ونظلم التاريخ لو قلنا إن أيـًا من هذه الثورات كانت ثورة كاملة، ونظلم الناصرية والتاريخ معـًا لو قلنا إنها بدأت انقلابـًا وانتهت ثورة، فالحق أنها من حيث المضمون الاقتصادي والاجتماعي كانت ثورة في ظلِّ أي تعريف كلاسيكي لهذا المصطلح، كما إنها من حيث الشكل السياسي كانت انقلًابـًا في ظلِّ أي تعريف كلاسيكي لهذا المصطلح».
وزيادة في التوضيح فكلمة انقلاب لم تكن تحمل دلالات سلبية وقتها، بل إن الضباط الأحرار هم مَن أطلقوا عليها اسم انقلاب في بداية الأمر، فاعترض طه حسين، وفضل أن يطلق عليها ثورة.
ويكمل حديثه: «أما إنها ثلاث ثورات فهذا ما حدث، الفترة الواقعة بين عامي 1952 و1956 هي الثورة الوطنية التي حققت استقلالًا لمصر هو الأول من نوعه منذ عشرات القرون، ومن هذه الزاوية وحدها هي أكثر راديكالية من الثورة العرابية وثورة 1919، حيث لم يكنْ مطروحـًا في برنامجها التخلص من الحكم الأوتوقراطي المُتمثل في الخديوي توفيق ثم الملك فؤاد، فقد أطاحت ثورة 23 يوليو، تموز 1952 بآخر العرش العلوي في اليوم الثالث من قيام الثورة 26/7/1952 وأُعلنت الجمهورية بعد أحد عشر شهرًا من هذا التاريخ 18/6/ 1953، وكان جمال عبدالناصر بذلك أول حاكم مصري مُستقل منذ ألوف السنين، وتلك نقلة كيفية في تاريخ النهضة إذ رافقتها معركة سافرة مع الاحتلال البريطاني انتهت بعدوان السويس ودحره سياسيـًا في شتاء 1956، وكان ذلك إيذانـًا بالتخلُّص من الحليفين الأساسيين المعاديين لنهضة مصر، الغرب والأوتوقراطية، أقول إيذانـًا لأن الغرب حين جلا عن البلاد كان قد ترك امتداده الصهيوني منذ ثماني سنوات».
يقصد شكري بقوله ثماني سنوات حرب عام 1948 التي حمَّل الضباط الأحرار الملك مسؤولية الهزيمة بسبب صفقة الأسلحة الفاسدة.
ويكمل غالي شكري حديثه عن الفترة الثانية، واصفًا إيها بـ ثورة الوحدة القومية الواقعة بين عام 1958 و1966، والتي شهِدت الوحدة المصرية السورية من 1958 حتى الانفصال 1961.
أما الفترة الثالثة والآخيرة فهي الفترة الواقعة بين عامي 1967 حتى وفاة عبدالناصر 28 سبتمبر 1970 -أيلول الأسود-، وقال عنها غالي شكري: «رغم الهزيمة العسكرية بينهما وتدهور خطة التنمية الاقتصادية وتعاظم الطبقة الجديدة، فإنها تكون الثورة الاجتماعية، حيث انتقلت السُّلطة في شخص قائدها من تمثيل الطبقة الوسطى موضوعيـًا إلى تمثيل قاعدة اجتماعية أوسع من البرجوازية المتوسطة والصغيرة والفلاحين والعمال».
بهذا تحمل ثورة يوليو على حدِّ ما وصل له الناقد والأكاديمي الراحل الدكتور غالي شكري طابعـًا خاصـًا يميزها عن بقية الثورات التي كانت تحدث في العالم، فهي في جوهراها مثل الثورة الفرنسية، أبرزت مفاهيم وقيم وطنية وفكرية، وعززت من مكانة الفرد في المجتمع بوصفه إنسانـًا صاحب حقوق ووجبات، وله الحق في العيش والعمل والتعلم، ويظهر هذا واضحـًا جليـًا في الكلمة الخالدة لجمال عبدالناصر: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد، وآن للاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل».





















