منذ حوالي أربع سنوات احتفلنا بالتحرير الثاني لسيناء من قوى الظلام التي امتد تخريبها لكل المكتسبات، على الشمال والوسط منها طوال عقد من الزمان، نستطيع أن نسمي تلك الفترة بالعشرية السوداء، كالتي مرت على الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وبنفس القوى التي تدعي امتلاكها.
الحقيقة المطلقة وتحت عباءة الدين والدين منها براء فهم أسوأ من الخوارج فقد عاشوا في الأرض فسادًا وشرًا واستباحوا الدماء وقتلوا الشيوخ، والنساء، والأطفال، وفي سبيل التحرير الثاني وقفت القوات المسلحة، وهي الدرع الواقي للوطن، وقفة الأسود مثل تلك التي كانت في اكتوبر 1973 تزود عن الوطن، وتقدم التضحيات، من خيرة الرجال ويشاركها هذه المرة رجال الشرطة الذين تحملوا عبئًا تنوء به الجبال، وقدموا ايضًا ثُلة من الشهداء وبمشاركة شعبية من خيرة رجال القبائل، الذين كانوا كتفًا بكتف من أجل استئصال تلك الطغمة الفاسدة.
لتعود سيناء بالكامل آمنة تستقبل رؤساء ووفود العالم من كل حدب وصوب برّا، وبحرًا، وجوًا، مؤازرة لقطاع غزة الجريح الذي دمرته آلة البطش الإسرائيلية في محاولة يائسة لتهجير شعبه إلى سيناء، وهو الحلم الذي يراود الفكر الصهيوني منذ خطة برنارد لويس إلى ايجورا لاند وخطة تبادل الأراضي واستكمالا لمشروعهم التوسعي.
فقد استطاع الرئيس السادات رحمه الله عليه انتزاع سيناء من براثن أنيابهم حربًا وسلمًا فبعد إنتصار أكتوبر 1973 دخل مفاوضات من موقع قوة، وحصل على مايريد بقوة، الحجة، والدبلوماسية الهادئة، وياليت كل دول الطوق المحيطة بإسرائيل حزت حزوه لكانت الجولان الآن في حضن سوريا وجنوب لبنان في كنف الدولة اللبنانية بدون ميليشيات وغور الأردن بلا إتفاقية أذعان، والحكم الذاتي للفلسطينين.
ربما قد وصل الآن إلى دولة كاملة السيادة ولكن العند العربي وقتها لم يكن يرى أبعد من قدميه وكان السادات صاحب رؤية، وبُعد نظر، والآن، وبعد نيف وأربعة عقود على التحرير الأول، بعد إحتلال دام خمسة عشر عامًا كانت فيها سيناء صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء فنحن أمام 61 ألف كيلو متر مربع، أي ستة أضعاف مساحة دولة لبنان، ناهيك عن دول أخرى.
بدأ الرئيس السادات بأول نفق تحت قناة السويس ” الشهيد احمد حمدي” ثم كانت مدينة شرم الشيخ مقصد العالم في الجنوب، وميناء نويبع، ومدن الطور، وكاترين، ودهب، ورأس سدر، وفي الوسط مدينة نخل والحسنة، ومستشفيات ومدارس، وبنية تحتية، وقرى سياحية بطول الخليج من قناة السويس حتى طابا، ثم مطار العريش، الذي استقبل كل وفود العالم في العامين الماضيين وميناء العريش الذي أصبح من المواني العالمية.
ولا بد أن أذكر أن سيناء بالكامل لم يكن بها سوى مدرسة ثانوية بنين وأخرى بنات ومن يقدر على التعليم الجامعي لابد أن يذهب إلى القاهرة، ومن الذي يستطيع؟، الآن ثلاث جامعات تشمل جميع الكليات جامعة في الجنوب واثنتين في العريش، ومصانع أسمنت، ورخام، ومؤخرا مصنع البلاستيك، وجامعة تكنولوجية شرق بورسعيد، وفرع لجامعة سيناء بالقنطرة شرق، وتعتبر على ارض سيناء أيضًا، ومعاهد عليا في العريش، وبئر العبد، ومستشفيات مجهزة استطاعت استقبال الاف الجرحى أثناء الحرب على غزة ومازالت تستقبل يوميا.
الحقيقة أن دُرة التاج كانت شرايين الحياة التي امتدّت تحت قناة السويس في الإسماعيلية وبورسعيد فجعلت المرور طبيعيا، وبدون حواجز وقد كانت المعاناة الكبرى هي السفر من والى وادي النيل سواء للأفراد أو لمنتجات سيناء التي كانت تقف ساعات وأحيانًا أيام تنتظر المعديات والطابور كان يصل إلى خمسة كيلو مترات في الانتظار.
كل هذا أصبح من الماضي بل وبدأت رحلة قطار السكك الحديد تعود مرة أخرى وستكتمل قريبا إلى العريش وتمتد جنوبا إلى طابا لتخترق وسط سيناء فتنشئ محور استراتيجي يربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض، وكنا نتمنى أن يعود كما كان حيث يصل القدس ومنها إلى الأردن، وسوريا، فتركيا كما كان يطلق عليه قطار الشرق السريع.
مازالت سيناء تنتظر المزيد وخاصة الشمال لنستعوض مادمره الإرهاب البغيض، فعما قريب ننتظر المستشفى الجامعي ومدينة العريش الجديدة، وإسهامات بنك الإسكان والتعمير، أسوة بباقي محافظات الجمهورية فالأراضي شاسعة ونريد أن نزرع سيناء بالبشر والحجر والشجر بمزيد من التسهيلات لتكون مصدر جذب ولتوقف كل الأطماع بانها أرض بلا شعب كما يقولون واجب تاريخي الآن هو تفريغ الدلتا المزدحمة في أرض سيناء لتزرع ارضها بمياه ترعة السلام وتدشن المصانع ففي أرضها عشرات الخامات ولن يحدث ذلك إلا وفق قرارات إستثنائية جاذبة بعيدا عن البيروقراطية وخارج الصندوق.





















