في ظل تصاعد حالات العنف المدرسي في بعض المدارس المصرية والعربية، تتزايد الدعوات إلى مواجهة هذه الظاهرة التي لم تعد مجرد سلوك فردي عابر، بل تحولت إلى مشكلة تربوية واجتماعية ونفسية تهدد المنظومة التعليمية بأكملها.
وفي هذا السياق، صرح الدكتور جمال فرويز، أستاذ الأمراض النفسية بجامعة القاهرة، في تصريح خاص لموقع الحرية، بأن سوء تربية الأبناء لا يؤدي فقط إلى تدهور سلوكهم وأخلاقهم، بل يمتد أيضًا إلى ضعف مستواهم العقلي والتحصيلي.
ويوضح أن “الطالب سيئ الخلق يضيع معظم وقته في المشكلات والنزاعات، فيفقد التركيز على دراسته، وتنعكس تصرفاته بالسلب على زملائه والمجتمع المدرسي ككل”.

أسباب العنف المدرسي: جذور نفسية واجتماعية معقدة
يؤكد الدكتور فرويز أن العنف المدرسي ليس وليد الصدفة، بل نتاج تراكمات نفسية وأسرية وتعليمية، ويمكن تلخيص أبرز الأسباب النفسية والسلوكية وراءه في النقاط التالية:
- العنف الأسري والمشاكل العائلية
الأطفال الذين يعيشون في بيئة أسرية يسودها العنف أو الإهمال غالبًا ما يعيدون إنتاج هذا السلوك في المدرسة.
فحين يشهد الطفل مشادات أو ضربًا في المنزل، يكتسب مفهومًا مشوهًا عن القوة والسلطة.
كما أن الإهمال العاطفي أو سوء المعاملة يؤدي إلى اضطرابات في الشخصية مثل اضطراب التعلق التفاعلي، ما يجعل الطفل عاجزًا عن تكوين علاقات سوية مع الآخرين ويميل إلى استخدام العنف كوسيلة للتعبير عن ذاته.
- ضعف المهارات الاجتماعية والعاطفية
يواجه بعض الطلاب صعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو إدارة غضبهم بطريقة صحية، فيلجؤون إلى العنف اللفظي أو الجسدي كوسيلة للتعامل مع المواقف الصعبة.
كما أن ضعف التعاطف مع الآخرين يؤدي إلى تجاهل مشاعر الزملاء، فتتكرر حالات التنمر أو الإيذاء دون وعي بالضرر الناتج عنها.
- مشكلات الذات والشعور بالنقص
الطالب الذي يشعر بالنبذ أو بالدونية يسعى أحيانًا لتعويض هذا الإحساس بالسيطرة على الآخرين، وقد يكون العنف بالنسبة له وسيلة لإثبات الذات أو الحصول على اهتمام من المعلمين والزملاء.
أما انخفاض تقدير الذات، فيدفع البعض إلى ممارسة التنمر أو العنف لإخفاء ضعفهم الداخلي، بينما يؤدي فقدان الانتماء إلى المدرسة إلى لامبالاة تجاه قواعدها وقيمها.
- الاضطرابات النفسية والسلوكية
تشير الدراسات إلى أن بعض حالات العنف المدرسي ترتبط باضطرابات مثل فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) أو الاضطراب السلوكي المعارض، حيث يعاني الطالب من اندفاعية وعدوانية متكررة.
وفي حالات أخرى، قد يكون الطالب مصابًا باضطراب في الشخصية المعادية للمجتمع، ما يجعله غير قادر على إدراك تبعات أفعاله أو الشعور بالذنب.
- التنمر والتعرض للإساءة
كثيرًا ما يتحول ضحايا التنمر إلى متنمرين في المستقبل، في ما يعرف بـ«دائرة العنف».
فالطفل الذي يتعرض للإهانة أو الاضطهاد يسعى لاستعادة كرامته بإيذاء الآخرين.
كما أن العزلة الاجتماعية الناتجة عن التنمر تدفع بعض الطلاب إلى سلوك عدواني للتعبير عن غضبهم وإحباطهم.
- العوامل الخارجية والبيئة المحيطة
تلعب وسائل الإعلام والألعاب الإلكترونية دورًا غير مباشر في ترسيخ ثقافة العنف، إذ يتأثر الطلاب بالمشاهد العدوانية ويبدؤون في تقليدها دون إدراك لعواقبها.
كذلك، الفشل الدراسي المتكرر يولد إحباطًا وشعورًا بالعجز، مما يدفع الطالب إلى العنف كوسيلة للانتقام من النظام التعليمي أو من زملائه.

أنواع العنف المدرسي: من الكلمة إلى الضرب
تتعدد أشكال العنف المدرسي وتتنوع بين الجسدي واللفظي والإلكتروني، ولكل منها أثره المدمر على نفسية الطالب ومناخ التعليم.
- العنف الجسدي: يشمل الضرب والدفع والركل وأي سلوك عدواني يمس جسد الطالب.
- العنف اللفظي: يتمثل في الشتائم والسخرية والاستهزاء، سواء كان لفظيًا أو مكتوبًا.
- التنمر: سلوك عدواني متكرر يستهدف إلحاق الأذى بالآخرين، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل غير مباشرة.
- التنمر الإلكتروني: أحد أخطر الأشكال الحديثة للعنف، يتم عبر الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي.
- العنف التواصلي: يحدث عندما يُحرم الطالب من حرية التعبير أو الحوار في بيئة تعليمية تسودها السلطة دون تفاعل.
العواقب المدمرة للعنف المدرسي
علي الطالب:
- نفسيًا: يتعرض الطلاب الذين يعيشون في بيئة عنيفة للقلق المستمر والاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وقد تتطور حالتهم إلى اضطرابات أكثر خطورة.
- أكاديميًا: يؤدي الخوف وفقدان الأمان إلى انخفاض التحصيل الدراسي وتراجع الدافعية نحو التعلم.
- اجتماعيًا: يصبح الطالب أقل قدرة على تكوين علاقات صحية، ويميل إلى العدوان أو الانطواء.
على المجتمع:
لا تتوقف آثار العنف المدرسي عند جدران المدرسة، بل تمتد إلى المجتمع ككل.
فالأطفال الذين يعتادون على العنف قد يصبحون بالغين عدوانيين، مما يهدد الأمن الاجتماعي ويضعف قيم التسامح والتعاون.

إقرأ أيضًا.. “التعليم حق دستوري مجاني”.. أولياء أمور يطالبون بإنقاذ طلاب المدارس التجريبية
كيف نواجه العنف المدرسي؟
على مستوى المدرسة:
- إنشاء بيئة تعليمية آمنة تُشجع على الحوار والتفاهم.
- تطبيق أنظمة فعالة للإبلاغ عن حالات التنمر والعنف.
- تدريب المعلمين على إدارة الغضب واحتواء الطلاب ذوي السلوك العدواني.
- توفير دعم نفسي مستمر للطلاب المتضررين.
على مستوى الأسرة والمجتمع
- إشراك أولياء الأمور في برامج توعية دورية عن أساليب التربية الإيجابية.
- مراقبة سلوك الأبناء داخل المنزل ومتابعتهم دراسيًا وسلوكيًا.
- تعزيز القيم الأخلاقية والدينية التي ترفض العنف وتدعو إلى التسامح.
- تشجيع الأنشطة الرياضية والفنية التي تساعد على تفريغ الطاقة السلبية.
على مستوى الدولة
- وضع تشريعات واضحة تُجرم العنف المدرسي داخل المؤسسات التعليمية.
- تخصيص ميزانيات لتوفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين في المدارس.
- إطلاق حملات توعية وطنية حول مخاطر التنمر والعنف على المدى البعيد.
- دعم مبادرات التعاون بين وزارات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية لتحقيق بيئة تعليمية صحية.
إن العنف المدرسي ليس مجرد ظاهرة سلوكية عابرة، بل هو مؤشر خطر على خلل أعمق في التربية والمجتمع. ومعالجة هذه الأزمة تتطلب تضافر الجهود بين المدرسة والأسرة والدولة لبناء جيل أكثر وعيًا وتسامحًا.
وكما قال الدكتور جمال فرويز في ختام تصريحه لـ الحرية: “إذا أردنا طلابًا ناجحين علميًا وأخلاقيًا، فعلينا أن نزرع فيهم السلام منذ نعومة أظافرهم، فالعنف لا يخلق قادة، بل ضحايا جدد.”




















