تعودت أن أحتفل بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو 1952 كل عام بالكتابة على الأقل، ووجدتني هذا العام غير متحمس للكتابة عن الثورة التي غيرت تاريخ مصر ونسبة كبيرة من العالم، فقد قرأت خلال الفترة الماضية عشرات البوستات في وسائل التواصل الاجتماعي تمدح ثورة يوليو وقائدها الزعيم جمال عبد الناصر ووجدت مثل تلك البوستات يلعنون جمال عبد الناصر وثورة يوليو.
المادحون صوروا الثورة كأنقى ما يكون، بينما صور القادحون الثورة في أبشع الصور وقدموا قادتها كسفاحين ولصوص ومخربين، ولم ينسوا أن يمجدوا العهد الملكي وفضله على البلاد والعباد وما فتئوا يدعون أن يعود الملك والعهد الملكي وأيامه المجيدة !!.
ما يحدث من كتابات ناتج عن تذبذب الوعي لدى المصريين خاصة الأجيال التي جاءت بعد عهد عبد الناصر، ففي عقد السبعينات كانت الهجمة على أشدها لمحو تاريخ يوليو – الذي لا أقدمه هنا كصورة رائقة ونقية تماما.
قامت أجهزة الإعلام وكتاب مدججة بالأقلام وافمكانيات بتشويه صورة الثورة وقادتها، ورسخت الصورة الجديدة المشوهة في أذهان الأجيال الجديدة ولم تخرج.
لا يوجد في الحياة ما هو أبيض ناشع البياض تماما ولا أسود كالح السواد تماما، الحياة تجمع بين كل الألوان وكلن الأضداد، فإذا وجد الأبيض، فلابد من وجود الأسود، وإذا كان النهار لابد من الليل، وهكذا تتنوع الحياة وصورها وفي تنوعها هذا واختلافها تكمن قيمتها وقوتها وجمالها.
لم نتعود في مصر على تقبل الاختلاف في الرأي، فأنت إما معي أو أنت عدو، لذلك أجد التعليقات في منتهى الابتذال وسوء الأخلاق، فهذا الشخص فاسد ومنحرف ولا أخلاقي، وذلك سفاح وحرامي وسرق البلد، في أيام هذا كنا ننعم بالديمقراطية والليبرالية، وفي أيام ذاك عشنا في السجون والمعتقلات والهزائم، وإن دل هذا على شئ إنما يدل على انعدام الوعي وليس فقط تذبذبه، فكل شخص قدم ما عنده، وربما أختلف معه ومع ما قدمه، فلماذا السباب ولأناس ماتوا وكل منهم يعتقد أنه أبلى بلاء حسنا.
هل تعتقد أن الملك فاروق كان ملاك من السماء، هل ترى أن جمال عبد الناصر كان شيطانا من الشياطين، هذا غير حقيقي وغير طبيعي، فاروق كان ضعيفا وبعد أن استمرت أسرته في الحكم 150 عاما كانت سياساته سببا في الثورة عليه , وهو نفسه فرط في حكمه وغادر بغير عودة ولم يدافع عن سلطته ونظامه، وإن كانت الثورة لم تحاكمه أو تعدمه كام كان البعض يرى في تلك اللحظة، عبد الناصر نهض بمصر نهضة غير مسبوقة في كل مجال، لكن بعض زملائه من قادة الثورة، خذلوه أو خانوه وربما كان لهم بشكل أو آخر نوع من الخيانة له وللبلاد.
سعى عبد الناصر بكل قوة لإحياء فكرة اعتقد الغرب أنه قضى عليها، وهي الوحدة العربية، لكن الخيانة كانت تتربص به من الداخل ومن الأشقاء ومن الخارج، من يفهم لا يراه كما يصوره السذج عنتري وحنجوري؛ بل كان سياسيا من الطراز الأول، لكن لنتذكر أن لا أحد يمكنه قيادة دولة بمفرده وقد انتشرت الفتنة داخل الجيش وقتها وعبد الناصر يفهم جيدا معنى الفتنة داخل الجيش، وجاءت حرب يونيو 1967 لتكون شبه القاضية، ولكنه نهض من جديد كالعنقاء وصار يحارب ويلوح بسلاحه ويطور الجيش حتى أدرك الأعداء في الداخل والخارج أنه يجب منعه من استكمل مسيرته حتى لا ينتصر , لأنه إذا انتصر، سيكون لانتصاره وقعا ونتيجة أكبر بكثير مما كان عليه من قبل.
يؤسفني أن ما يدور على صفحات التواصل الاجتماعي يثير الغثيان مما وصلنا إليه من انجطاط أخلاقي فالسباب يوجه صراحة بدون مبرر، لكن هذا لا يمنع ولن يغير من أن ثورة 23 يوليو 1952 كانت من أشرف الثورات وأكبرها بحكم تأثيرها في محيطها ونقلت الحكم في مصر من سيطرة الأجانب إلى أبناء الوطن بغض النظر عن صلاح بعضهم وطلاح آخرين؛ ففي كل الأحوال تتغير الدنيا والعالم في لحظة ويكون هناك الصالح بعد الطالح، عاش جمال عبد الناصر في موته وعاش رفاقه الذين حملوا أرواحهم على أكفاهم في ليةل 23 يوليو لينقذوا الوطن ويغيروا التاريخ.



















