يروى لنا بن إياس، أنه بينما كان السلطان قطز الذي لُقِبَ بالملك المُظَفر، مشغولًا في إصلاح ما فَسَد من المملكة على يدي المنصور وأمه، وَرَدت الأنباء بأن جيش هولاكو قد وصل إلى دمشق، فنهب البلاد، وقتل العباد، وأنه في طريقه لمصر.
انعقد مجلس الأمراء والقضاة لبحث طرق جمع الأموال لإعادة بناء الجيش وما يلزمه من حصون وجسور وعتاد، في ظل أزمة إقتصادية طاحنة حيث كانت خزانة الدولة خالية تمامًا.
اقترح السلطان قطز فرض ضرائب على المواطنين لتمويل متطلبات الجيش، فطَلَب فتوى من قاضى القضاة العز بن عبد السلام، حيث كان المواطنون لا يدفعون سوى الزكاة، فأفتى العز بن عبد السلام بأنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع المواطنين في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء أولًا، فإن لم تكفِ هذه الأموال، جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي لتجهيز الجيش، فقبِل قطز الفتوى، وبدأ بنفسه وباع كل ما يملك وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا مثله، فإنصاعوا جميعًا، وأتوا بكل ما يملكون.
لما لَمْ تكفِ هذه الأموال لتغطية نفقات الجيش، قرر قطز فرض ضريبة على كل رأس من أهل مصر والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً، وأَخذ من أجرة الأطيان والسواقي شهراً واحداً، وأَخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم مقدمًا، وأَخذ من الترك المدنيين ثلث المال، ليصل إجمالي ما جمعه من الأموال أكثر من ستمائة ألف دينار.
يروى لنا بن إياس، أن مبعوثًا من جيش هولاكو، هو “كتبغا نويز بك” ومعه أربعة من جنود التتار، قد جاءوا مصر وتوجهوا للقاء قطز حاملين رسالة من هولاكو وَصَفَها بن إياس بأنها تحمل ألفاظًا فاحِشةً، وأنقلها للقارئ الكريم نصًا كما أوردها بن إياس، للإطلاع على وَقاحةِ ما جاء بها: “من ملك الملوك شرقاً وغرباً الخاقان الأعظم، بإسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء، نُعْلِم الأمير قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذه الأرض، بعد أن إبتاعوا إلى التجار بأبخس الأثمان.
أما بعد، فإنا نعبد الله في أرضه، خلقنا من سخطه، يسلطنا على من يشاء من خلقه، فسلموا إلينا الأمر تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، فقد سمعتم أننا أخربنا البلاد، وقتلنا العباد، فلكم منا الهرب، ولنا خلفكم الطلب، فما لكم من سيوفنا خلاص، وأنتم معنا في الأقفاص، خيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، فقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فمن طلب حربنا ندم، ومن تأخر عنا سَلَم.
فإن أنتم لشرطنا أطعتم، وما قلناه سمعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتمونا، هلكتم، فلا تُهلكوا أنفسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر، وقد ثبت عندكم أننا كَفَرَة وثبت عندنا أنكم فَجَرَة، والله يلقى الكَفَرَة على الفَجَرَة.
فأسرعوا إلينا بالجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترميكم بشرارها، فلا يبقى لكم جاه ولا عِزّ، ولا يعصمكم منا حصنٌ ولا حِرز، ونترك الأرض منكم خالية، والمنازل خاوية، فقد أيقظناكم، إذ حذرناكم، فما بقى لنا مقصدٌ سواكم.
وقد حذرنا قبلكم أهل بغداد بمثل ذلك، فما سمعوا، فجرى عليهم ما سمعتم به، وقتلنا خطيبهم الذي يزعمون أنه الخليفة، وخربنا بلادهم، ونهبنا عدادهم، وهذا آخر كلامنا لكم، والسلام علينا وعليكم، وعلى من إتبع الهدى، وخشى عواقب الردى.”
حِتَّة مِن مَوّال
عَدُوِنا ما إنعَطَفشي للبَشر والناس
وما قالشي لِكْبيرُه يَابَا وعَظَّم الإحساس
ولا ضَرَب في أراضي النور هَرَم وأساس
ولا زَرَع سِت آلاف وحَضَن وغَلّ القمح
ولا تَبَنّى ولا هَزّ الهِلال السَمْح




















