لم تولد ثورة الخامس والعشرين من يناير من فراغ، ولم تكن نزوة عابرة أو مؤامرة طارئة، بل جاءت كاستجابة طبيعية لتراكمٍ هائل من الظلم الواضح، ظلمٌ انتشر في الشوارع والطرقات، وفي أقسام الشرطة، وفي مؤسساتٍ غاب عنها ميزان العدالة، وتحوّلت فيها السلطة من حامٍ للمواطن إلى عبءٍ عليه.
كان الإحباط عامًا، والمظالم متزايدة، والأمل يُعدم يومًا بعد يوم، والأحلام تتبدد أمام أعين جيلٍ كامل لم يجد لنفسه مكانًا في وطنه.
في هذا السياق، كانت الثورة فعلًا دفاعيًا عن الكرامة قبل أن تكون فعلًا سياسيًا، ومن الطبيعي بل ومن البديهي، أن القوى التي صنعت هذا الواقع المختل لم تكن لتقف مكتوفة الأيدي أمام محاولة التغيير.
فـ”الدولة العميقة” — وهم أصحاب المصالح المتجذرة، وحراس منظومة الفساد، وورثة الامتيازات — أدركوا منذ اللحظة الأولى أن ما جرى يشكل تهديدًا مباشرًا لواقعهم ومستقبلهم. لذلك، وبعد النجاح الظاهري للثورة في إسقاط رأس النظام، بدأت معركة من نوع آخر: معركة استعادة السيطرة، عبر السردية والحكاية.
نسجت الدولة العميقة روايتها الخاصة، أعادت تعريف ما حدث، وشيطنت الثورة، وجرّمت الحالمين، وشوّهت الشهداء.
امتلكت أدوات كثيرة، كان أخطرها وأهمها المال والإعلام؛ بالمال حشدت وفرّقت واشترت الولاءات، وبالإعلام شوّهت وحرّفت وبثّت الخوف واليأس، حتى أصبحت الضحية متهمًا.
وكان من نقاط الضعف الجوهرية في مسار الثورة أنها كانت بلا قيادة حقيقية موحّدة، بلا تنظيم قادر على حماية الحلم وترجمته إلى مشروع سياسي واضح.
وفي معركة صفرية، لا تعترف بالحلول الوسط، كان الميزان يميل لصالح من يملك الأدوات والخبرة والوقت. فكانت النتيجة أن انتهت الثورة كحدثٍ سياسي، لا لأنها كانت خطأ، بل لأنها حوربت بلا هوادة.
لكن ما انتهى هو المشهد، لا المعنى. انتهى الفعل، لا الدافع. انتهت الثورة، لكن أحلامها لم تمت، ما زالت أسبابها قائمة، وما زال سؤال العدالة بلا إجابة، وما زال الأمل — مهما حاولوا تشويهه أو دفنه — حيًا في وجدان هذا الشعب.
ستتحقق أحلام يناير، بشكلٍ أو بآخر، لأن ما بُني على الظلم لا يدوم، ولأن الشعوب قد تُهزم مؤقتًا، لكنها لا تنسى.
فما لم يتحقق بالثورة يمكن أن يتحقق بالسياسة، عبر بناء صف سياسي جديد، واعٍ بتجربة يناير، متعلم من إخفاقاتها، قادر على التنظيم، وعلى خوض معارك النفس الطويل، وامتلاك المساحة اللازمة للاشتباك السياسي الحقيقي.
وما زال الطريق مفتوحًا لمن يتعلم، ويبني، ويؤمن أن السياسة ليست نقيض الثورة، بل امتدادها العاقل، غير أن الطريق أمام السياسة لتحقيق ما أخفقت الثورة في إنجازه لا يزال محفوفًا بثلاث عقبات جوهرية لا يجوز القفز عليها.
أولى هذه العقبات هي النخبة السياسية التقليدية، التي برهنت أغلبية رموزها، في لحظات التحول الحاسمة، على عجزها عن ضبط البوصلة الوطنية، وعن اتخاذ قرارات شجاعة.
وثانيها أحزاب “الحيّز المتاح”، التي ترتدي قناع المعارضة، بينما تؤدي في الواقع دورًا وظيفيًا يضمن استمرارية الوضع القائم، عبر إعادة تدوير السياسات ذاتها بواجهات مختلفة، بما يضلل الرأي العام ويُفرغ الفعل السياسي من معناه.
أما العقبة الثالثة، فتتمثل في الغياب شبه الكامل لجيل الوسط عن مواقع القيادة، ذلك الجيل الذي يجمع بين خبرة التجربة ووعي اللحظة، لكنه جرى تهميشه أو إبعاده، ففقدت الساحة السياسية حلقة الوصل الضرورية بين الحلم وإمكانات تحققه الواقعي.
وختامًا، نُزفّ إلى هذا الوطن بشرى لا تنبع من وهم، بل من دروس التاريخ نفسه؛ ذلك التاريخ الذي علّمنا أن التحولات الكبرى لا تأتي دائمًا تدريجيًا، بل كثيرًا ما تحدث فجأة، وأحيانًا بلا مقدمات.
وإننا نرى اليوم رغم العتمة، ريح يوسف تهبّ علينا، حاملةً معها البشائر، ومؤكدة أن أحلام ثورة الخامس والعشرين من يناير وشعاراتها لم تمت، بل تنتظر لحظتها، وستغدو تلك الأحلام واقعًا ملموسًا عما قريب، لا بالصدفة ولا بالانتظار، بل بسواعد الرجال، وعقول المخلصين، وإرادة لا تنكسر.




















