قبل 15 عاما، كانت الانتفاضة التي اندلعت في تونس في 17 ديسمبر 2010، الشرارة التي أشعلت انتفاضات أخرى في مصر وفي سوريا وليبيا واليمن والبحرين، والتي عرفت بانتفاضات الربيع العربي، أو ثورات الحرية والكرامة، واليوم تعيش المنطقة على وقع انتفاضة جيل زد 212، التي اندلعت في المغرب لتعلن عن بدء عصر جديد من الانتفاضات الرقمية، مع محاولات لمحاكاتها في أكثر من بلد عربي، ولا يعرف أحد ما إذا كان المغرب، الذي قدمت حكومته في المرتين مرونة سياسية كبيرة جنبت النظام الملكي هناك المصير الذي لقيته نظم عربية أخرى، لاسيما في تونس ومصر وليبيا، وجنبت البلاد نيران الحرب الأهلية التي اشتعلت في سوريا وليبيا واليمن والسودان، البلد الذي تنتقل منه موجات أخرى من احتجاجات الثورة المستمرة والتي لم تنته بعد في كثير من بلدان المنطقة، أم سيكون نموذجا لأسلوب مختلف للتعامل مع الاحتجاجات من خلال آليتي الاستجابة والاحتواء.
لقد مرت خلال الخمسة عشر عامًا اللاحقة على انتفاضات “الربيع العربي”، مياه كثيرة على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، وتغيرت كثير من المعادلات نتيجة لتباين مسارات ومصائر الانتفاضة في البلدان العربية، بفعل عوامل كثيرة تتعلق باستجابة نظم الحكم لتلك الانتفاضات والواقع الاجتماعي والتاريخ السياسي، وكذلك بآليات التدخل الخارجي الإقليمي والدولي، وطبيعة القوى التي انخرطت في الانتفاضات وتلك التي جرى استدعاؤها إلى المشهد.
ففي مقابل القطاعات الشبابية الطليعية التي فجرت تلك الانتفاضات كانت هناك مؤسسات الحكم وأجهزته التي تعاملت مع الحدث وسعت للتأثير فيه والتجاوب معه، بما يقلل من الخسائر التي يتكبدها الوطن وتتكبدها الحكومات. لكن في كل الحالات، يظل الحدثان وثيقا الصلة بالتطورات التكنولوجية الحادثة في العالم، ويظل الفارق بين اللحظتين مرتبط بالتطورات الكبيرة والتغيرات السريعة والمتلاحقة للثورة الرقمية الرابعة، مع الدخول في مرحلة الذكاء الاصطناعي التوليدي وما بعده وسلطة الخوارزميات.
مقدمات متشابهة ومسارات متباينة
على الرغم من تشابه الأسباب التي أدت إلى الانتفاضات العربية ومقدماتها، إلا أنها اتخذت مسارات متباينة نتيجة اختلاف الاستجابات، في محاولة من قبل النظم لتفادي المصير الذي واجهته القيادة في تونس وفي مصر، فكانت النتيجة أشد وبالا على الشعوب وعلى الوطن.
وفي الأسباب يقف ثالوث الفساد والبطالة والقمع وراء الانتفاضات التي اندلعت في أكثر من بلد عربي انطلاقًا من تونس. فالانتفاضة التونسية أشعلها البائع المتجول محمد البوعزيزي منبلدة سيدي بوزيد، بإشعال النار في نفسه احتجاجًا على تعامل شرطية معه، ومن هناك انتقلت شرارة ثورة الياسمين، أو ثورة الحرية والكرامة في أنحاء تونس احتجاجًا على الفساد والبطالة وقمع الحريات، وأطاحت بنظام زين العابدين بن إثر هروبه من تونس في 14 يناير 2011، بعد احتجاجات استمرت 28 يومًا.
وانتقلت الشرارة من تونس إلى مصر، وسرعان ما تطورت احتجاجات الشباب على قمع الشرطة يوم 25 يناير، يوم عيد الشرطة، في القاهرة إلى احتجاجات واسعة شملت الإسكندرية والسويس، ثم إلى غضب عارم يوم جمعة الغضب (28 يناير)، واعتصام مفتوح استمر حتى تنحي حسنى مبارك رئيس الجمهورية بعد ثمانية عشر يومًا.
غير أن نجاح المحتجين في تونس وفي مصر في الإطاحة برأسي السلطة، رسم مسارًا آخر للانتفاضات اللاحقة في اليمن وفي البحرين وفي ليبيا وفي سوريا، ففي البحرين تم قمع انتفاضة المنامة وفضت السلطات اعتصام المحتجين في دوار اللؤلؤة في العاصمة المنامة بالقوة في 16 فبراير عام 2011، بعد يومين من انطلاق الاحتجاجات للمطالبة بالإصلاح السياسي، والتي جرى تصويرها على أنها احتجاجات للغالبية الشيعية في البحرين الأمر الذي أدى إلى استنفار من المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى وأرسلت قوات من السعودية والإمارات ضمن ما يعرف بدرع الجزيرة لدعم حكم آل خليفة، وقمع الاحتجاج.
في ليبيا لم يتمكن المحتجون الذين خرجوا في العاصمة بنغازي في مظاهرات حاشدة يوم 15 فبراير 2011، بعد أربعة أيام من تنحي مبارك، من الإطاحة بحكم العقيد معمر القذافي الذي لجأ إلى المسلحة لقمع الاحتجاجات، وتحول الاحتجاجات التي بدأ سلمية إلى تمرد مسلح امتد لأنحاء البلاد، تطور فيما بعد إلى حرب أهلية تهدد بتقسيم البلاد.
واستدعت التطورات في ليبيا إلى استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بفرض منطقة حظر طيران لحماية المدنيين في ليبيا، وسمح هذا القرار بتدخل حلف الأطلسي الذي شنت قواته حملة قصف جوي استهدفت القوات العسكرية التابعة للقذافي، وبموجب اعتراف الأمم المتحدة بالمجلس الوطني الانتقالي كممثل شرعي لليبيا في ظل رفض القذافي والقوات الموالية له الاستسلام، وعثر على القذافي وقتل في 20 أكتوبر، لكن ذلك لم يوقف الصراع في ليبيا ولم يتمكن حلف شمال الأطلسي من جمع السلاح من أيدي الجماعات المسلحة والمتحاربة لتستمر الحرب الأهلية في ليبيا.
وكان للتطورات في ليبيا تأثير على مسار الانتفاضة السورية التي اندلعت في مدينة درعا في جنوب البلاد يوم 15 مارس 2011، والتي اتسعت لتشمل أنحاء البلاد، وتدهورت الأوضاع مع رد المحتجين على القمع بالعمل المسلح وتطور الأمر إلى حرب أهلية ممتدة بسبب عجز مجلس الأمن الدولي عن إصدار قرار لصالح المحتجين في سوريا بسبب المعارضة الروسية حيث خشيت موسكو تكرار ما حدث في ليبيا ومنح حلف الأطلسي ذريعة للتدخل العسكري ضد نظام الأسد، لكن هذا العجز لم يمنع القوى الخارجية من التدخل، لكن تعارض الإرادات الدولية والتغيرات على الساحة الداخلية ساعد حكومة الأسد على البقاء في السلطة حتى 8 ديسمبر عام 2024، دون أن يكون لها سيطرة فعلية على معظم المحافظات في شمال وشرق سوريا، وثمة مؤشرات على أن الحرب الأهلية في سوريا ستستمر لفترة في ضوء تعارض مصالح القوتين الإقليميتين اللتين تخوضان حرباً بالوكالة على النفوذ الإقليمي مع احتمالات للتقسيم.
ووقع كل من اليمن، الذي بدأت انتفاضته على حكم الرئيس علي عبد الله صالح، قبل انتفاضات الربيع العربي بسنوات، وكذلك السودان الذي أطيح برئيسه عمر حسن البشير، بعد سنوات من انتفاضات الربيع العربي، في مرحلة من الفوضى والحرب الأهلية التي لا تزال مشتعلة في البلدين.
هناك دراسات كثيرة تناولت بالفحص والتحليل انتفاضات الربيع العربي، وانشغل العديد من مراكز التفكير والبحث على المستويين الإقليمي والدولي، إلى حد أن بعض المراقبين يلاحظ أن هذه الانتفاضات أدت إلى حقل بحثي جديد خصصت له مقررات تعليمية ودراسية في الجامعات، وتشتغل به جماعة علمية دولية تتسع بشكل مستمر.
وأحدثت هذه الانتفاضات ثورة في التفكير وفي دراسة مناهج التغيير السياسي، وكونت سياقًا معرفيًا نقديًا وطويل النفس، يستدعي تاريخ الثورة والإصلاح السياسي في أنحاء العالم.
ولا يزال البحث مستمر في أسباب إخفاق هذه الانتفاضات العربية وفشلها في إحداث التحول المنشود إلى نظم حكم مدنية ديمقراطية حديثة، والانتقال بدلًا من ذلك إلى أنماط من الحكم أكثر تسلطًا واستبدادًا وأكثر تهميشا للقوى الاجتماعية والسياسية وللشعوب، أو إلى السقوط في حروب داخلية قد تؤدي إلى التقسيم، أو الخضوع لقوى عقائدية تسعى لإعادة انتاج النظام الاستبدادي الذي أطيح به في رداء جديد.
والأخطر في الأمر أنه لم يتم التعامل مع السببين الجذريين الآخرين، البطالة والفساد، الأمر الذي يهدد بتجدد الانتفاضات في العالم العربي.
الحركات الاحتجاجية في ظل الثورة الرقمية
تميزت الذكرى الخامسة عشر لثورة 25 يناير في مصر ببروز حركة احتجاج على المنصات التي جرى توظيفها في الاحتجاجات التي نظمتها الحركة الاحتجاجية الشبابية المغربية التي تعرف بجيل زد 212 بالاعتماد على منصات رقمية مثل تيك توك وانستجرام وتلجرام وديسكورد، في رفع المطالب والحشد والتعبئة عبر هذه المنصات قبل أن تنتقل إلى الشارع في صورة مظاهرات احتجاجية خرجت في عدة مناطق ريفية وعدة أحياء في المدن.
انطلقت المظاهرات ابتداء من 27 سبتمبر وتواصلت واتسعت على مدى عشرة أيام، على خلفية احتقان اجتماعي نتيجة لغلاء الأسعار وتدهور خدمات التعليم والصحة، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب، وتورط أعضاء من الحكومة في ملفات فساد سياسي.
وهي القضايا ذاتها التي كانت سببًا لاندلاع انتفاضات الربيع العربي، وهي قضايا ذات حساسية خاصة في الشارع المصري بسبب برنامج الإصلاح الاقتصادي وتأثيراته السلبية على قطاعات كبيرة من المصريين.
فعلى مدى أسابيع، بدأت دعوات في مصر من خلال برنامج ديسكورد، للتوقيع والتصويت على عزل الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويفيد إحصاء بأن عدد الزيارات بلغ 17 مليون و600 ألفا وأن عدد الأصوات المؤيدة لعزل الرئيس بلغ مليونا و31 صوتاً.
لا تتوافر معلومات يمكن التعويل عليها للتحقق من صحة هذه الأرقام، لكن من الواضح أن هذا الحراك تأثر بما حدث في المغرب ويسعى للاستفادة من تقنيات الثورة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعبئة والحشد.
لم يكن المغرب وحده الذي شهد احتجاجات يقودها “جيل زد”، ففي السنوات القليلة الماضية، شهدت دول مثل مدغشقر ونيبال وإندونيسيا وبيرو، حركات احتجاجية شبابية يقودها هذا الجيل، اعتمدت على العالم الرقمي في التنظيم والتعبئة، وتبنت مطالب متشابهة تتمثل في تحسين الخدمات الأساسية كالصحّة والتعليم وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويرى مراقبون أن حركة جيل زد 212 في المغرب جزء من هذا المدّ العالمي، الذي شهد انتقال من النشاط عبر المنصات الرقمية إلى التظاهر في الشارع.
والسمة المشتركة بين هذه الحركات الاحتجاجية هي غياب أي هيكل تنظيمي مُعلن أو قيادة واضحة، إذ تعتمدبدرجة كبيرة على النقاشات الافتراضية وآليات التصويت الرقمي لتحديد توجهاتها، وعدم ارتباطها بأي حزب أو أيديولوجية سياسية، وفي حالة المغرب أعلنت هذه الحركة من خلال البيانات التي أصدرتها التزامها بالثوابت الوطنية، بما في ذلك احترام المؤسسة الملكية والوحدة الترابية.
وغلب على الاحتجاجات التي نظمتها حركة جيل زد في المغرب الطابع السلمي رغم وجود تيارات داخل الحركة تدعو إلى العنف والتصعيد، وساعدت طريقة تعامل السلطات مع الاحتجاجات في الحفاظ على طابعها السلمي.
تشير دراسات إلى أن حركة جيل زد الرقمية تتميز بقدرة على الحشد السريع عبر منصات التواصل، باستخدام أساليب تفاعلية ورموز ثقافية للتعبئة.
وتعكس الحركة اعتماداً كبيراً على التكنولوجيا وتقديراً للتنوع، مع حضور نسائي ملحوظ في صفوفها، ويرى مراقبون أن طبيعتها اللامركزية واعتمادها على الفضاء الرقمي يعكسان ملامح جديدة للاحتجاجات الشبابية، لكن لم تشهد دول عربية أخرى، إلى الآن، احتجاجات مماثلة لاحتجاجات “جيل زد” في المغرب، ومن المبكر معرفة الكيفية التي يمكن لهذه الاحتجاجات وتجاوب الأجيال الأصغر سنًا والتي تجيد التعامل مع هذه المنصات التجاوب والاستفادة من الخبرة المغربية.
لكن من الواضح أن هذه الاحتجاجات تؤكد الملح الأساسي في الانتفاضات العربية في عام 2011، من حيث عاملي السرعة والمفاجأة والتطور، واستخدام أدوات وتكنولوجيا الاتصال الجديدة والمتطورة.
النقطة الثانية، أن رد فعل السلطة في المغرب على احتجاجات “جيل زد” الأخيرة لم يختلف عن رد فعلها على احتجاجات 2011، والذي اتسم بالاستجابة لمطالب المحتجين واحتواء الاحتجاجات دون اللجوء إلى استخدام القمع.
في المقابل، لا يمكن توقع رد فعل السلطة في بلدان عربية أخرى خصوصًا في ضوء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول العربية، علاوة على الأزمات السياسية الناجمة عن احتجاجات 2011، على الاحتجاجات خصوصًا عند الانتقال من المنصات الافتراضية إلى الشارع.
لكن في كل الأحوال تضع احتجاجات العصر الرقمي الأنظمة والحكومات العربية في مواجهة تحديات جديدة قد لا تستطيع التعامل معها، فالمسألة لم تعد في رغبة هذه الحكومة أو تلك في الاستجابة لمطالب، وإنما باتت تتعلق بقدرتها على تلبية هذه المطالب، فمحدودية الموارد والخيارات المتاحة لهذه النظم، والتي تفرض قيودًا عليها وتحد من قدرتها على الانخراط في برامج إصلاح جذرية، تقلل في الوقت نفسه من البدائل وهوامش الحركة المتاحة لها.
لكن تجربة المغرب تشير إلى أن إجادة المحتجين وكذلك السلطة التعامل مع تفرضه المعادلات السياسية المحسوبة بدقة أكبر من خيارات ساعدت الطرفين على الوصول إلى حلول وسط.
والسؤال الآن، إذا شهدنا في مصر انتقالًا من الاحتجاج الافتراضي إلى الاحتجاج الفعلي على الأرض، يتعلق بكيفية استجابة السلطة، فهل ستكرر السلطة الحالية الخطأ الذي ارتكبه نظام مبارك عندما واجه المعتصمين في ميدان التحرير بالخيول والجمال في الثاني من فبراير، فيما عرف بموقعة الجمل، أم أنها ستتعامل مع الاحتجاجات بالمنطق الذي تفرضه الثورة الرقمية التي تمضي فيها الحكومة بخطى متسارعة، فالقرار لم يعد قراراً بشريا فقط وإنما أصبح قرارًا تؤثر فيه خوارزميات هي وحدها القادرة على التعامل مع الواقع المعقد الذي تفرضه البيانات الضخمة.
















