بعد مرور 15 عامًا على “ثورة 25 يناير”، يسعى كثير ممن شاركوا في هذا الحدث التاريخي، والسياسيون والمراقبون والمحللون إلى فهم أسباب فشل هذه الثورة في تحقيق أهدافها، وما أحدثه هذا الفشل من تحولات جذرية شهدتها مصر، في السنوات اللاحقة، والتي مضت في مسار يخالف، تمامًا، مطالب الشباب الذين خرجوا في الأيام الثلاثة الأولى للانتفاضة الكبيرة مطالبين بالحرية والكرامة الإنسانية، وكذلك مطالب الجماهير التي خرجت في “جمعة الغضب”، والذين أضافوا إلى مطلب الحرية، مطلب العدالة الاجتماعية ليصبح شعار الثورة فيما بعد، “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.
والربط بين “الخبز والحرية” راسخ في الوعي الشعبي منذ الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، والتي دشنت حقبة في تاريخ البشرية يطلق عليها المؤرخ والمفكر البريطاني المولود في الإسكندرية في عام 1917، إيريك هوبسبوم، “عصر الثورة”.
وطالت الثورة في هذا العصر الكثير من مناحي النشاط الإنساني، فلم تعد الثورات، ثورات اجتماعية أو سياسية وحسب، وإنما رأينا ثورات ثقافية وأخرى معرفية وعلمية كبرى، أحدثت تغيرات جذرية في العالم الذي شهد انهيار وتفكك الإمبراطوريات الكبرى وميلاد دول جديدة ونهوض أمم في شتى القارات.
وشهد هذا العصر أيضًا ثورة في العلم وفي تطبيقاته، وصولًا إلى المرحلة الراهنة، حيث تضع “الثورة الرقمية” – أو الثورة العلمية والتكنولوجية الرابعة – العالم على اعتاب تحول كبير، مع الدخول في مرحلة الذكاء الاصطناعي التوليدي وما بعده، والاعتماد المتزايد على المعادلات الخوارزمية المحوسبة في توجيه النشاط البشري في كثير من المجالات العامة والخاصة.
تشير الكتابات النظرية عن الثورة، والتي شهدت زخمًا كبيرًا في العقود القليلة الماضية، إلى أن الثورات تتسم عن غيرها من آليات التغيير بسمتين أساسيتين: الأولى، هي امتلاك الطليعة الثورية لرؤية فلسفية ذات طابع إنساني وعالمي، والثانية هي القطيعة المعرفية مع الماضي وبزوغ نظام جديد.
وتضيف عالمة السياسة، حنة أرندت، في كتابها “في الثورة” الصادر في عام 1963، سمة ثالثة ترى أنها السمة الأساسية لما يمكن اعتباره ثورة، وهي السعي للحرية.
فارتباط الثورة بقضية الحرية، وهي القضية التي ترى أنها تشكل وجود السياسة منذ بداية التاريخ، هو ما يميز الثورة عن الحرب، رغم أنهما، الحرب والثورة، ميَّزا ملامح القرن العشرين، وما بعده.
وترى أنه خلافًا للحرب وهي الأقدم في تاريخ البشرية، فإن الثروة اقترنت بالعصر الحديث، وهي من أحدث الوقائع السياسية الرئيسية.
وتحمل الثورة الأمل في تحرير البشرية من خلال التوزيع العادل للسلطة والثروة، وهو الهدف الذي تسعى الشعوب والمجتمعات البشرية إلى تحقيقه منذ فجر التاريخ.
وغليه فإن الثورة عند أرندت هي كل حركة تغيير تقود إلى الحرية، فالحرية كانت وستظل هي الهدف والغاية للثورة، وأي تغيير لا يؤدي إلى الحرية تنتفي عنه صفة الثورة، وإن ادعاها لنفسه أو أضفاها عليه بعض المؤرخين والدارسين.
الثورة والأفق المعرفي
هذه المقدمة ضرورية لتأكيد الصلة بين الثورة، كطريقة للتغيير، وبين المعرفة المتراكمة التي تشكل الأفق المعرفي أو ما يعرف أيضًا بالرؤية العالمية لطليعة الثورة، وهي الآلية الأساسية التي تمكن هذه الطليعة أو النخبة من وضع تصورات لنظام بديل وللمستقبل.
وتبرز ضرورة هذه المقدمة أيضًا نظرًا لأن الأفق المعرفي للمشاركين في ثورة 25 يناير 2011، كان غائبًا، أو على الأقل لم يكن واضحًا بالقدر الكافي لوضع تصور بديل للنظام الذي ثاروا عليه، وهو أمر يؤكده ما تخلص إليه كثير من المراجعات، التي تشير إلى غياب الاتفاق العام بين القوى التي شاركت في الثورة على شكل النظام البديل، وهو أمر لم يحدث فقط في عام 2011، وإنما تكرر في عام 2013، الذي شهد انتفاضة ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين.
وغياب هذا الأفق المعرفي لدى طلائع الثورة المصرية هو الذي مكَّن النظام القديم من استعادة مواقعه بالتحالف مع القوى المضادة للثورة عبر سلسلة من الإعلانات الدستورية مهد لها الاستفتاء الذي أجرى في 19 مارس 2011، على تعديل دستور عام 1971، بدلًا من الشروع في وضع دستور جديد، لتستمر الأزمة الدستورية التي تعاني منها مصر منذ عام 1930، والمستمرة إلى الآن، والتي تسمح بالعبث بالدستور ومواده، من خلال تعديلات تقترحها السلطة لتوسيع صلاحيات الحاكم وسلطته، على نحو يتنافى مع الفلسفة الأساسية للدستور والتي تتمثل في تقييد صلاحيات والتوسع في حقوق المواطنين وحرياتهم.
فالدستور، هو الصياغة المُحكمة للعقد الاجتماعي، والآلية التي تحقق التوازن وتحقق العلاقة بين الدولة والمجتمع من ناحية، وتنظم العلاقة بين سلطات الحكم الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
لا يمكن توجيه اللوم لأحد لغياب الأفق المعرفي، فهو عملية اجتماعية وتاريخية تحدث على مدى عشرات العقود، وهو ما تؤكده الدراسات التي أجريت للثورات الكبرى، بدءًا من الثورة الفرنسية، فالأفق المعرفي لطلائعها تشكل على مدى قرن أو يزيد من خلال مجموعة من الفلاسفة والمفكرين التنويريين الذي شاركوا في كتابة الموسوعة التي أشرف عليها ديدرو، من أمثال مونتسكيو وفولتير وروسو وعشرات غيرهم من مفكري القرن الثامن عشر الذين وضعوا أفكارًا لقرنين تاليين، لم تفقد صلاحيتها في القرن الحادي والعشرين والأرجح أنها ستستمر لعقود أخرى قادمة.
فتشكل المعرفي لا يحدث بين عشية وضحاها، وإنما يستغرق عقودًا من الزمان يعكف فيها المفكرون والفلاسفة على وضع أفكار لعصر قادم، ولا تلقى غالبًا اهتمامًا من السلطة أو القوى الاجتماعية التي عاصروها، وبالتالي لا تجد أفكارهم الوكيل الاجتماعي القادر على تفعيلها في الواقع.
ويهتم علم الاجتماع بشكل عام، وعلم الاجتماع السياسي على وجه الخصوص، بمسألة الوكالة الاجتماعية هذه، وهي مهمة أيضًا لفهم آليات القطيعة مع العصر القديم والانتقال إلى عصر جديد.
وعملية الانتقال هذه ليست سهلة، وإنما حافلة بالصراعات بين قوى اجتماعية وسياسية وفكرية، على صياغة مرحلة ما بعد الثورة.
ويقدم علم الاجتماع مفهومًا آخر يساعد على فهم عملية الانتقال هذه، هو مفهوم “التمفصل”، الذي يشرح كيفية ميلاد النظام الجديد من رحم النظام القديم وآلياته.
فالرحلة نحو النظام الجديد تمر بلحظات انكسار وتمضي في مسارات متعرجة، تختفي خلالها شيئا فشيئا ملامح النظام القديم وتبزغ ملامح النظام الجديد وتتشكل، وقد يحمل النظام الجديد بعض ملامح النظام القديم لكن هذه الملامح تختفي في ثنايا الصورة العامة للنظام الجديد.
وعملية الانتقال هذه تستغرق عقودًا، واستمرت في حالة الثورة الفرنسية 40 عامًا. وإذا نظرنا إلى الثورة المصرية من منظور تاريخي، فيمكن اعتبار ثورة يناير 2011، أفقًا تاريخيا لثورة 1919، لإنجاز المطلب الأول الرئيسي، الدستور، الذي سبق مطلب الاستقلال على النحو الذي وثقه أستاذ التاريخ الحديث، ضياء الدين الريس في كتابه “الدستور والاستقلال والثورة الوطنية عام 1935″، بجزأيه الصادرين عام 1975.
والأرجح أن كفاح المصريين من أجل الحكم الدستوري سيستمر من أجل تحقيق الاستقلال الوطني، الذي يظل منقوصا بفعل الأزمة الدستورية الممتدة والتي تجعل القرار الوطني المصري مرهونًا بإرادات القوى الخارجية الداعمة للسلطة الحاكمة، التي تعاني من أزمة شرعية، لاعتمادها من أجل البقاء في الحكم على تحالفات خارجية، إلى حد يفوق كثيرًا اعتمادها على تحالفاتها الاجتماعية الداخلية وعلى إرادة المحكومين.
وبينما كانت الثورة الفرنسية لحظة فارقة في تاريخ البشرية، من خلال تكريس مفاهيم “الحرية والمساواة والإخاء”، التي كانت شعارًا لها، ولكونها ملهمة لكل نضال من أجل القضاء على النظام القديم، الذي قام على العبودية بصورها المختلفة، وإنهاء التمييز بين البشر الذي يستند إلى نظام اجتماعي قائم على التراتبية والتهميش ومؤسس على اعتبارات المكانة الاجتماعية أو اللون أو الدين أو المذهب.
وستظل هذه المفاهيم تشكل أفق مسيرة الشعوب نحو التحرر من أسر العالم القديم، مع ملاحظة أن عملية التحرر هذه، لم تتحقق بشكل كامل ودفعة واحدة، وإنما هي عملية مستمرة، مما يجعل الثورة مشروعًا تاريخيًا مستمرًا إلى أن تتحقق الحرية للأفراد في المجتمعات.
فالثورة كمفهوم يدرسه علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي، تختلف في جوانب كثيرة عن الاحتجاج والعصيان والتمرد والانفجارات الاجتماعية، إنها مجهود بشري مدفوع بالسعي نحو الحرية، وهي عملية مستمرة حتى في المجتمعات التي انتصرت فيها الثورة، خصوصًا إذا تشكل فيها نظام أو ترتيب أو وضع يقلص من الحريات العامة أو الفردية.
وانفجار ثورة المعرفة، أتاح هامشًا أوسع لتشكل الأفق المعرفي للطليعة والنخبة من خلال ثورة المعلومات والاتصالات والاطلاع على أوضاع مجتمعات أخرى، لكن البيانات التي يتيحها هذا الانفجار يتطلب التعامل معه بطريقة أكثر إبداعًا، وهذا الأمر يجعل الثورة بشكل عام، والثورة المصرية والثورات العربية بشكل خاص، وثيقة الصلة بالتنوير ومشروعه.
هناك كتابان، على الأقل، صدرا باللغة الإنجليزية، تناولا العلاقة بين حالة التنوير الذي يواجه تعثرًا في البلدان العربية وبين انتفاضات الربيع العربي في عام 2011.
الكتاب الأول صدر باللغة الإنجليزية في عام 2016، بعنوان “ما التنوير؟ استمرار أم انقطاع في أعقاب الانتفاضات العربية”، وحرره الأكاديمي والكاتب المغربي محمد الشرقاوي، وشارك فيه كتاب وباحثون أمريكيون وأوروبيون من بينهم عزة كرم، من جامعة أمستردام، ورضوان زيادة الأستاذ في جامعة جورج تاون، والكتاب الثاني بعنوان “تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية”، لإليزابيث سوزان كسّاب؛ الذي صدر باللغة الإنجليزية في عام 2019، ونشرت ترجمة عربة له نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ديسمبر 2020.
المستقبل وجدلية التنوير والثورة
يُمكن النظر إلى غياب الأفق المعرفي لثورة 25 يناير 2011 في مصر، وللانتفاضات التي اجتاحت عددًا من البلدان العربية في ذلك العام، في ضوء محنة وتعثر مشروع التنوير في العالم العربي طوال القرن العشرين، والذي لا يزال يواجه أزمة كبيرة رغم مرور عقدين في القرن الحادي والعشرين ورغم الثورات المعرفية الكبرى التي يشهدها العالم. وإذا ما عدنا للثورة الفرنسية، سنلاحظ أن عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر هو الذي مهد لهذه الثورة، وساعد طليعتها على وضع ملامح النظام الجديد البديل، المتمثل في الجمهورية. ومن ثم يكون السؤال عما إذا كان التنوير شرطا ضروريا لنجاح الثورة سؤالًا مشروعًا، أو بعبارة أخرى، من الصعب تصور إمكانية انتصار الثورة في مجتمع لم يتحقق فيه التنوير، الذي يعني جرأة الفرد في استخدام العقل باستقلالية دون توجيه من سلطة معرفية أو اجتماعية أو سياسية تعطل العقل والتفكير. لكن يكون من المشروع، في ضوء تعثر مشروع التنوير العربي في مسيرته التي تزيد عن القرن بعقدين، أن نتساءل عما إذا كان من الممكن حدوث التنوير في البلدان العربية دون ثورة فكرية واجتماعية؟ والإجابة على سؤالين صعبة في ظل العلاقة الجدلية والمعقدة بين التنوير والثورة من ناحية، وبين التنوير والإصلاح من ناحية أخرى.
لكن ثمة تطور إيجابي حدث في الأعوام الخمسة عشر المنصرمة، تمثل في الكم الهائل من الدراسات والأبحاث والكتب التي تناولت بالبحث والتحليل مآل الانتفاضاتالعربية، والتي حاولت أن تشرح لماذا هذه الثورات في إحداث التغييرات المنشودة وفتح آفاق المستقبل أمام الأجيال الشابة في مصر والعالم العربي، ولماذا اسُتبدلت التطلعات نحو دول مدنية ديمقراطية حديثة تتطلع للمستقبل وتتعامل مع تحدياته الراهنة والمستقبلية، بمشروعات لنظم أكثر استبدادًا وفاشية ومشاريع ماضوية لحركات قومية وإسلامية، تجاوزها الزمن وتغيراته ولم يعد لها مكان في المستقبل، ولم تفعل شيئًا سوى أنها أدت إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية العميقة التي تعاني المجتمعات العربية، سواء في النظم الملكية المحافظة أو في النظم الجمهورية التقدمية، بل إن بعض هذه المشاريع أدى إلى تفكك المجتمعات بسبب الحروب الأهلية التي فجرتها تلك الانتفاضات في



















