رغم الارتباط الوثيق بين كرة القدم وبين السياسة، لم اكتب سوى موضوع واحد له صلة باللعبة الأكثر شعبية في جميع دول العالم.
ففي عام 2004، نشرت مقالًا في صحيفة “وطني” بعنوان: “صفر المونديال: مصر بين التهميش ومقاومة التهميش”، حللت فيه دلالات فشل الملف المصري في الحصول على أي صوت من أصوات أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وعددهم 24 عضواً، لتنظيم تصفيات النهائية لكأس العالم 2010. هذا الحدث كان فرصة لتسليط الضوء على وجه آخر من وجوه ظاهرة العولمة، وهو واقع التهميش وارتباط هذا التهميش بالسياسات العامة الداخلية والخارجية. لم اتوقف كثيراً في ذلك المقال عند اتهامات الفساد التي أثارها بعض النقاد الرياضيين ومسؤولي اتحاد كرة القدم المصرية، ووزير الشباب آنذاك، ووقائع الفساد الذي كان مستشريا في الاتحاد الدولي، وانشغلت أكثر بالمبررات التي طرحها الاتحاد الدولي بخصوص عدم استعداد مصر لاستضافة هذا الحدث الكروي العالمي الكبير من حيث البنية التحتية.
كانت مصر تتطلع في ذلك الوقت إلى الفوز بتنظيم هذه البطولة لضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية استعدادا لاستضافة هذا الحدث. بينما تحدث النقاد الرياضيين والمعلقين عن الفساد ودفع رشى في الفيفا، كانت هناك شبهات فساد طالت القائمين على إعداد الملف، دفعت الحكومة المصرية إلى احالة الموضوع إلى لجنة لتقصي الحقائق وإلى الجهاز المركزي للمحاسبات لاستبيان أوجه القصور في الملف، وأشار أنس الفقي وزير الشباب والرياضة، الذي تولى منصبه خلفا للدكتور علي الدين هلال كان وزيرا للشباب وقت تقديم الملف، إلى مخالفات مالية تتعلق بالمبلغ الذي تم صرفه، والذي بلغت تكاليفه الرسمية على تنظيم المونديال والذي بلغت تكاليفه الرسمية 43.1 مليون جنيه، تحملت جهات حكومية 32 مليون جنيها منها وجرى تدبير 11 مليوناً من جهات خاصة.
هناك واقعة أخرى عُرفت أيضا بصفر المونديال، حدثت في عام 2018 بعد خروج منتخب مصر من كأس العالم في ذلك العام، بعد أن مني بثلاث هزائم وعدم حصوله على أي نقاط، بعد غياب عن المشاركة في كأس العالم دام 28 عامًا، باستثناء هذا المقال، لم أكتب عن عالم كرة القدم وما يحدث فيه، رغم أنها الشاغل الرئيسي للغالبية الساحقة من المصريين، ورغم ارتباط كثير من هذه الأحداث الوثيق بالسياسة، وتدخل كبار المسؤولين في الدولة في الأزمة بين أندية كرة القدم وبين الاتحاد المصري، سواء في منافسات الدوري والكأس المصريين أو في مشاركة المنتخب المصري في بطولات دولية وإقليمية.
ما دفعني إلى الكتابة مرة أخرى وبعد مرور هذا الوقت، هو ما حدث يوم الثلاثاء في مباراة مصر والأرجنتين، في دور الستة عشر في بطولة كأس العالم 2026، والتي تنظمها الدول الثلاث في أمريكا الشمالية، الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، وما صاحب صعود المنتخب المصري إلى دور الستة عشر من آمال وتطلعات للجمهور المصري بوصول منتخبهم الوطني إلى دور الثمانية على الأقل، بعد صعود منتخب المغرب الذي هزم منتخب كندا في دور الستة عشر بثلاثة أهداف نظيف، ولا يزال أمامه مباراة صعبة مع منتخب فرنسا الذي فاز عليه وأخرجه في الدور نصف النهائي في كأس العالم في قطر عام 2022.
كأس العالم والحرب
انطلقت مباريات نهائي كأس العالم 2026، والتي تقام مرة كل أربع سنوات، في أجواء الحرب التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، منذ حرب غزة في أكتوبر 2023، والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير الماضي والتي لم تنته بعد، رغم هدنة متوترة منذ أبريل وجرى تمديدها لإفساح المجال لمواصلة المفاوضات تحت تهديد السلاح بين واشنطن وطهران، ولا يزال العدوان الإسرائيلي مستمراً على جبهتي لبنان وغزة. وألقت حروب الشرق الأوسط وصراعاته بظلالها على منافسات كأس العالم هذا العام، والتي شارك فيه منتخب إيران ولعب مباراة أمام منتخب مصر يوم 27 يونيو انتهت بالتعادل وخروجه من المنافسات بعدها. وأشعل ظهور حسام حسن مدرب منتخب مصر حاملا العلم الفلسطيني داخل الملعب بعد مباراة مصر وأستراليا غضب إسرائيل ومؤيدها، وأدى إلى مطالبات بمعاقبته معتبرة أن هذا التصرف يحمل رسائل أو مواقف سياسية داخل الملاعب، والحقيقة أن هذا الموقف له دلالة سياسية واضحة أكدها حسام حسن الذي أهدى الفوز الذي أهل مصر لدور الستة عشر للشعبين المصري والفلسطيني، وترديد المشجعين هتافات داعمة لفلسطين خلال احتفالات التأهل، لكن الفيفا أكدت في بيان لها أن “رفع العلم الفلسطيني مسموح به خلال مباريات كأس العالم، على أساس أنه يُسمح برفع أعلام جميع الاتحادات الأعضاء خلال بطولات الاتحاد الدولي، وأن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أحد الاتحادات الأعضاء في “فيفا” وهو ما يجعل رفع العلم الفلسطيني مسموحا به وفقا للوائح البطولة.
وأصبح رفع علم فلسطين ملمحا في كثير من مباريات كرة القدم، مثلما حدث مع مناهضي العنصرية المناصرين لحركة حياة السود تهم بعد سلسلة من الانتهاكات التي تعرض لها مواطنون سود على أيدي الشرطة الأمريكية. ورفع لامين يامال لاعب برشلونة علم فلسطين خلال موكب احتفالات الفريق بالتتويج بلقب الدوري الإسباني هذا العام، الذي جاب شوارع المدينة. ورفع مناصرون للقضية الفلسطينية علم الفلسطيني في أنحاء مختلفة مدينة مكسيكو سيتي، عاصمة المكسيك تزامنا مع مراسم افتتاح بطولة كأس العالم، مؤكدين دعمهم للحقوق الفلسطينية ومطالبين بإنهاء الانتهاكات بحق الفلسطينيين. وتم تداول مقاطع فيديو لمشجعي البرتغال وهم يرفعون أعلام فلسطين والبرتغال بعد فوزهم على منتخب كرواتيا في مدينة ترونتو في كندا يوم الجمعة الماضي.
ومن الملاحظ أن الاتحاد الدولي سعى لاستغلال مباريات كرة القدم لترسيخ قيم مناهضة للعنصرية من خلال مبادرة أطلقها قبل عامين، للتصدي لجميع أشكال العنصرية في كرة القدم، من خلال تبنّي نهج يقوم على عدم التسامح مطلقً، واعتمدت هذه المبادرة بالإجماع في بانكوك، عاصمة تايلاند في 17 مايو 2024، وأصبحت إشارة تشبيك الذراعين (وضع اليدين متقاطعتين عند المعصمين)، التي لوح بها حسام حسن قرب نهاية المباراة، للدلالة على التعرض لإساءة عنصرية، بروتوكولاً رسمياً في مباريات كرة القدم في بطولات الفيفا، لتمكين اللاعبين وأفراد الأجهزة الفنية والحكام من اتخاذ موقف واضح ضد العنصرية. ومن ثم، فمن المتوقع أن تستغل مباريات كرة القدم لحشد التعاطف مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة وحقوقهم المشروعة كألية لمناهضة الانتهاكات الإسرائيلية التي تدعمها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والإدارات الأمريكية بشكل عام.
منتخب مصر ضد التهميش
أصدر الاتحاد المصري لكرة القدم بياناً رسمياً، بعد مباراة مصر والأرجنتين عبر فيه عن استيائه الشديد من تحكيم المباراة والحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسيه، ومن بعض القرارات المرتبطة بتقنية حكم الفيديو المساعد (فار) التي أثارت الكثير من علامات الاستفهام. وأثار أداء التحكيم علامات استفهام وانتقادات كبيرة في الصحف ووسائل الإعلام والمحللين حول العالم، والذي أظهر تحيزا ضد المنتخب المصري، ومحاباة لمنتخب الأرجنتين فسرها البعض على أنها بسبب موقف حسام حسن والمشجعين المؤيد للفلسطينيين. لكن ما يعنيني في بيان الاتحاد ما جاء في تقييمه لأداء المنتخب المصري في البطولة، التي اعتبرها “خطوة مهمة في مسيرة تطوير الكرة المصرية”.
يذكرني هذا البيان بما كتبته عن كيف نستفيد من صفر صدمة المونديال لمقاومة التهميش الذي تتعرض له مصر، وعندما بحثت على المقال على محرك جوجل جاء في تقرير أولى لتطبيق الذكاء الاصطناعي استعراض للجهود التي بذلتها مصر لمعالجة التهميش في بطولات كرة القدم، وركز التقرير على جدل التحكيم، خصوصاً في المباريات الإقصائية، مشيرا إلى أن الإقصاء الدراماتيكي لمنتخب مصر أمام نظيره الأرجنتيني، جدد لدى الجماهير والشارع الرياضي المصري فكرة “التهميش والظلم” لقرارات حكام المباريات، وأثار اتهامات بالانتقائية، بإلغاء هدف للمنتخب المصري، وعدم العودة لتقنية الفيديو في لقطات حاسمة، والازدواجية في تطبيق القوانين، الأمر الذي ترتب عليه حرمان المنتخب المصري من استكمال مشوار البطولة. وأشار التقرير إلى مقاومة التهميش التي تمثلت في الرد المصري، رسمياً وجماهيرياً، وتقديم عروض قوية ومواجهة الكبار رغم المعوقات التحكيمية والادعاءات بوجود تحيز ضد طموح المنتخبات الإفريقية والعربية في أدوار خروج المغلوب. من هنا تأتي الإشارة المهمة في بيان الاتحاد المصري الذي قدم تعهدا بما سيفعله في المرحلة المقبلة، وبرنامج عمل يشمل “مواصلة العمل، بالتعاون مع مؤسسات الدولة، لتنفيذ مشروع قومي شامل لتطوير كرة القدم، وتوسيع قاعدة الممارسة، واكتشاف المواهب، وبناء أجيال جديدة تواصل رفع اسم مصر في المحافل القارية والدولية”.
إن كرة القدم المصرية والرياضة بشكل عام، أحد المقومات الأساسية لقوة مصر الناعمة، أو هكذا يُفترض، وهي في حاجة إلى خطة للنهوض شأنها ملفات أخرى ننشغل بها في “مبادرة النهوض بقوى مصر الناعمة”. والنقاط التي تضمنها بيان الاتحاد المصري مهمة لكنها تستدعي مناقشة نقدية وصريحة لملف كرة القدم المصرية، فكثير من النقاد والمحللين يشيرون إلى ثغرات ونقاط ضعف في المنظومة التي تعمل بها الأندية الكبرى والأندية الصغيرة والتي لا تلتف إلى كثير من المواهب الكامنة التي لا تتاح لها فرصة لأن تبرز. أتذكر أن مكتشفي لاعبي كرة القدم الموهوبين في سالف العصر كانوا يجوبون شوارع مصر وأزقتها والساحات الشعبية بحثا عن هذه الدرر المكنونة، ويقدمونها للنوادي الكبيرة التي تتولاهم بالرعاية والتطوير وصقل موهبتهم الفطرية بتدريب ممنهج ونظام صنع نجوما وأبطالا.
هذه الدُرر المكنونة لا تزال موجودة، لكن لم يعد هناك اهتمام كاف باكتشافها، مثلما كان الحال من قبل، ولو حدث وتم اكتشافها بالصدفة أو كان لدى أحدهم الجلد والمثابرة كي يشق طريقه في عالم كرة القدم، فإنه يواجه بمنظومة تحابي، في كثير من الأحيان ولاعتبارات اجتماعية وثقافية، لاعبين أقل موهبة، وتحارب لاعبين أكثر موهبة إلى أن ينتهي بهم الحال خارج الأندية الكبيرة، على النحو الذي جسدته شخصية “شحاتة أبو كف” في فيلم “غريب في بيتي” (انتاج عام 1982) بطولة نور الشريف وسعاد حسني. هناك عمل درامي آخر كتبه أسامة أنور عكاشة هو مسلسل أهالينا، عُرض في يناير 1997، وتدور أحداثه في فترة التسعينيات وعلاقة الناس بعضهم ببعض خلال هذه الفترة، وفي المسلسل شخصية مكتشف لاعبي كرة القدم الموهوبين في الأحياء الشعبية والتنافس بين الأندية عليهم، وكيف تسللت لهذه المهنة سلوكيات ضارة أثرت على هذه المهنة.
خلاصة القول، إن ملف كرة القدم المصرية والنهوض بها يتطلب نظرة شاملة وإصلاح جذري للأندية المصرية والتركيز على أخلاقيات اللعبة، لما في ذلك من تأثير على أخلاقيات الجمهور العريض، وهو ملف لا ينفصل عن بقية الملفات الأخرى. قد يكون ما أنجزه المنتخب القومي المصري في 2026، نقطة انطلاق للبناء عليها، وما لم يتمكن من إنجازه محفزا للتفكير البناء والإيجابي لما ينبغي عمله في هذا الملف. صحيح أن هناك تحيزا ضد المنتخب وظلما تعرض له، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مبررا لرواج نظرية المؤامرة وبكائيات الاضطهاد، وإنما محفزا لمواجهة التحديات الجسام التي تواجهها مصر في الداخل وفي الخارج، وامتلاك رؤية للمستقبل تنهي عقودا من التهميش تعرضت لها مصر.




















