في ختام مقالي السابق “نقاش حول معنى الديمقراطية” المنشور على موقع الحرية بتاريخ 20 أكتوبر، طرحت محاور للنقاش حول مسألة الديمقراطية، وكان من المفترض الاستطراد في مناقشة تفصيلية للمحاور الأربعة التي اقترحتها لتقدم النقاش حول مسألة الديمقراطية في مصر، لكن إعادة طرح مسألة التحالف مع الإسلاميين من خلال المنشور الذي كتبه الدكتور عمرو عبد الرحمن، على حسابه على الفيسبوك، أمس الاثنين، قد يكون خير استهلال لمناقشة حول المحور الأول في مسألة الديمقراطية، والمتمثل في نقطة “الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة التي تضمن وصول الحزب أو المرشح الفائز بأعلى عدد من أصوات الناخبين إلى السلطة وممارسة الحكم للفترة المحددة”.
وما يطرحه هذا المحور من إشكاليات تتمثل في “فرضية الناخب الرشيد”، خصوصاً في ظل ما نراه من ممارسات تستهدف التأثير على الناخب ودفعه للتصويت لصالح تيار قد يعمل ضد مصالحه المباشرة، واستغلال ميوله الدينية أو الوطنية، لكن مثل هذه الفرضية تصبح باطلة ولا محل إذا توقفنا عن حصر الديمقراطية في الصندوق وتخلينا عن فكرة “استبداد الأكثرية”، التي شكل من أشكال الحكم المطلق، وهي الإشكالية التي تزداد تعقيدا بطرح موضوع التحالفات السياسية مع الإسلاميين، وتحديداً مع تيار الإخوان المسلمين التي طرحها الدكتور عمرو، ولا أعرف لماذا تجاهل في رصده لتجارب التحالف مع الإسلاميين، للتجربة الأهم في انتخابات عام 1987، وتشكيل قائمة مشتركة بين اثنين من الأحزاب المرخصة، حزب العمل وحزب الأحرار، وجماعة الإخوان المسلمين، وهو التحالف الذي خاض الانتخابات البرلمانية تحت شعار “الإسلام هو الحل”، والتي رسخت لتواجد الإخوان المسلمين على خريطة الانتخابات البرلمانية وكذلك في انتخابات النقابات المهنية.
لفت نظري، أيضا أن الأستاذة نهاد أبو العنين تجاهلت تجربة “التحالف الإسلامي”، في ردها على الدكتور عمرو رغم أنها لفتت الانتباه إلى أن التحالف بين حزب الوفد والإخوان المسلمين في انتخابات 1984، جاء في سياق هندسة سياسية أشرفت عليها أجهزة الأمن، لدمج جماعة الإخوان المسلمين في النظام السياسي، وإخضاعها لقواعد اللعبة السياسية، في سياق السياسة التي اتبعها الرئيس الراحل حسني مبارك في التعامل مع الجماعة في أعقاب أحداث عام 1981، وهي مسألة كانت موضع اهتمام لكثير من الباحثين الأمريكيين والغربيين، ولم تحظ بالقدر نفسه من اهتمام الباحثين المصريين، على الرغم من الاهتمام الذي أبداه الباحثون في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في جريدة الأهرام بظاهرة الإخوان والتيارات السياسية المحجوبة عن الشرعية في العديد من التقارير.
بداية، أشير إلى موقفي من مسألة التحالف مع الإسلاميين، مؤسس علىدراسة تجربة الانتقال إلى الديمقراطية في الجزائر في مطلع تسعينات القرن الماضي، والتي أُجهضت مما أدى إلى “عشرية سوداء” من العنف المميت بين الدولة والإسلاميين هناك جعل من الجزائر أمثولة بالنسبة للنظم السياسية التي ترفض الإقدام على أي إصلاحات ديمقراطية تتيح الفرصة لإجراء انتخابات حرة تحترم إرادة الناخبين.
غير أن موقفي من مسألة التحالف السياسي مع الإسلاميين مؤسس على شك منهجي في حقيقة موقف التيارات الإسلامية من الديمقراطية، أو بالأحرى تصوراتهم التي تختزل الديمقراطية في صندوق الانتخابات، واعتماد فوزهم بالأغلبية كتفويض لممارسة أبشع صور الاستبداد والتسلط باسم الديمقراطية، وعلى نحو يضمن بقاءهم في السلطة للأبد عبر آليات بديلة لإدارة الانتخابات أو هندستها.
الإجابة على هذا السؤال أساسية لكل طرح يدعو إلى التحالف مع الإسلاميين، وتقييم تجارب مثل هذه التحالفات وما أفضت إليه من نتائج في الحالة المصرية وفي تجارب أخرى في العالم العربي، في السودان أو في تونس أو اليمن أو حتى في قطاع غزة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، ثم انقلابهم على السلطة الفلسطينية في عام 2007.
ومن شأن اختزال الديمقراطية في الانتخابات وصندوق الاقتراع مع تجاهل المقومات الأخرى للديمقراطية، لاسيما ديمقراطية الحكم التي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والرقابة المتبادلة فيما بينها، وكذلك مبدأي الشفافية والمحاسبة، علاوة على صور الرقابة الشعبية عبر الصحافة الحرة والحرية الإعلامية وحرية التعبير وإبداء الرأي وحق التجمع السلمي والتعددية الحزبية وحماية الحقوق والحريات العامة واحترام حرمة الحريات الشخصية وخصوصية المواطنين، الإبقاء على الملامح الأساسية “الاستبدادية” الذي تقتضيه أي ممارسة للسلطة، فالنظم الديمقراطية المنتخبة تمارس صوراً من الاستبداد السياسي اللازم لإدارة الشأن العام واتخاذ القرارات وفرض النظام العام.
صعود أنظمة “الديمقراطية المستبدة”
في كتابه “قيام وسقوط الديمقراطية المستبدة”، الصادر هذا العام، يأخذنا الدكتور ماجد موريس، على مدى 15 فصلاً في رحلة عبر العصور وعبر الثقافات لتتبع قيام ما أطلق عليه “الديمقراطيات المستبدة” في قيامها وفي سقوطها، دافعه في ذلك السعي للإجابة على تساؤلات حول أسباب اختلاف نظم الحكم وتنوع اختيارات المجتمعات في محاولة لأنسنة الديمقراطية، بوضعها في سياق التجارب التاريخية للمجتمعات البشرية.
وهناك ثلاث نقاط أكدها في مقدمة الكتاب، جديرة بالملاحظة، النقطة الأولى هي أن الديمقراطية ليس سوى شكل من أشكال النظام الذي نشأ في حضن المجتمع الزراعي الذي مثل الانقلاب الرئيسي في مسيرة البشرية مع الانتقال إلى فكرة الاستقرار بعد قرون من التجوال والترحال، والذي مثل بدوره بداية للتاريخ، وما ترتب على ذلك من نشأة الحضارات التي هي في جوهرها حضارات زراعية على الرغم من التحولات العميقة التي حدثت نتيجة للثورة الصناعية وما سبقها من مراحل تاريخية.
النقطة الثانية، تتعلق بالسؤال عما إذا كانت الديمقراطية، بتطبيقاتها المتنوعة وأشكالها المختلفة ستبقى هي النظام الأمثل والوحيد؟ وهل ستصمد في مواجهة أمواج التغيير العاتية، خصوصاً مع التحولات العميقة التي يبشر بها عصر الذكاء الاصطناعي الذي يبشر بمنظومة جديدة من القيم والأخلاق وتعيد النظر في نظرة الإنسان لنفسه وللكون من حوله.
النقطة الثالثة، هي تأكيد أن الديمقراطية “حالة ذهنية” قبل أن تكون ترتيبات ومؤسسات يقرها النظام السياسي، ويستشهد في هذا الصدد بمقالة للمفكر المصري الراحل، حسن حنفي، (صحيفة المصري اليوم بتاريخ 8 مايو عام 2014)، وبالتالي الانطلاق من فكرة الثقافة الديمقراطية ومدى انتشارها على مستوى النخبة وعلى مستوى المجتمع.
هذه المقالة تحديداً وهذا الطرح وثيق الصلة بموضوع التحالفات السياسية مع الإسلاميين الذي نناقشه في هذا المقال، بل هو وثيق الصلة بتصوراتنا عن الديمقراطية بغض النظر عن التصنيفات السياسية، ذلك أن المقالة ناقشت الجوهر والمنطق الرئيسي الذي تقوم عليه الديمقراطية وذلك الذي يقوم عليه الاستبداد المدني أو الديني، ويحررنا من التصورات المحدودة والضيقة التي تحصر الديمقراطية في آلية الانتخابات، التي يسهل تزويرها والتلاعب في نتائجها بل الانقلاب عليها لتأسيس فاشية مدنية أو دينية تؤسس على الأزمات العميقة التي تواجهها المجتمعات المعاصرة، خصوصا إذا ما انتبهنا إلى أن الديمقراطية تأتي في موجات من المد والجزر، والتي تشهد الآن موجة جزر تؤكدها مؤشرات التحول الديمقراطي التي تظهر تراجعاً في التطبيق على المستوى الكمي (حيث يتقلص عدد الدول التي تطبق الديمقراطية) أو على المستوى الكيفي (حيث تتدهور آليات وكفاءة المؤسسات الديمقراطية في الدول التي تطبق نظم الحكم الرشيد)، والتي يرصدها الكتاب في الفصل الثالث عشر.
ففي ظل هذه التحولات العالمية التي تشير إلى تراجع الديمقراطية، وتنطوي على احتمالات لصعود أنظمة فاشية في البلدان التي كانت توصف بأنها قلاع حصينة للديمقراطية، يكون من المهم المراجعة النقدية للأفكار التي تشير إلى عدم وضوح الفكرة الأساسية للديمقراطية لدى الجمهور الواسع، ولدى النخبة على الأرجح، خصوصا تلك الأفكار والتصورات التي تحصر الديمقراطية في “صندوق الانتخابات”، وهو تصور ناجم عن فصل الديمقراطية عن ركيزتها الفلسفية الرئيسية المتمثلة في الليبرالية، وتؤسس على هذا التصور نظريات”ساذجة” في التحالف السياسي مع خصوم رئيسيين للديمقراطية، وهذه النظريات ساذجة لأنها ترفض التعلم من التجارب السابقة، التي كان من بينها ذلك التحالف الهزلي الذي نشأ بين “الاشتراكيين الثوريين” و”الإخوان المسلمين” في الأعوام التي سبقت انتفاضة عام 2011 مباشرة، لمواجهة سياسات مبارك.
وهو هزلي لأن “الاشتراكيين الثوريين” لم يدركوا حقيقة أن الحليف الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، هو السلطة ذاتهاوأن الأحزاب والجماعات السياسية المختلفة لم تكن سوى أوراق تفاوض بيد الجماعة لمساومة السلطة والقوى الدولية، وهو ما تأكد في أعقاب تنحي مبارك عن الحكم. لكن من يدعو إلى التحالف مع “الإسلاميين” اليوم لا يريد أن يتعلم شيئا من التجربة ويحجم عن إعمال المنطق والعقل في تحليل التناقضات الحاكمة للمعادلة السياسية اليوم، ولا يقدم جهداً نظرياً ضرورياً للتمييز بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي.
نحو آلية جديدة للفرز السياسي
في أعقاب انتفاضة 2011 وتنحي مبارك عن السلطة، بادرت مع مجموعة من المثقفين إلى تأسيس وإعلان “التحالف المدني الديمقراطي”، وتأسست فكرة هذا التحالف في غمرة الحوار الذي نشأ على مستوى النخب السياسية في أعقاب انتخابات عام 2015 البرلمانية والرئاسية، وما سبقها من تعديلات دستورية، والتي تمحورت حول فكرة “الدولة المدنية” ومرجعيتها. طرح الإسلاميون بقيادة جماعة الإخوان فكرة “المرجعية الإسلامية” للدولة المدنية بغرض وأد الحوار الصاعد على مستوى النخبة بخصوص الموقف من العلمانية، الأمر الذي تجلى من خلال موقفهم من المؤتمر الأول لتأسيس العلمانية، الذي نظمه منتدى ابن رشد مع عدد من منظمات المجتمع المدني والمثقفين المصريين، في مارس 2006.
في المقابل طرحت القوى المدنية فكرة “المرجعية المدنية” والتشريع المدني الوضعي وحكم القانون والثقافة الديمقراطية والعلمانية التي تؤكد ضرورة الاعتماد على آليات سياسية ومدنية وعدم اللجوء إلى شعارات دينية لكسب التأييد السياسي لما في ذلك من مخاطر على مفاهيم مثل المواطنة وسيادة القانون ونسبية السياسات العامة وتمثيل المصالح المادية للقوى الاجتماعية.
ودعا “التحالف المدني الديمقراطي” بوضوح إلى اعتماد آلية جديدة للفرز السياسي تقوم على فكرة “المرجعية المدنية” للدولة وللنظام العام باعتباره مقدمة ضرورية لإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية، وإلى تبني نظرة نقدية في مواجهة مفهوم “الفلول” الذي انتشر بغرض إعادة بناء التحالفات السياسية.
مرة أخرى يبرز تحالف الإخوان المسلمين مع السلطة لاحتواء هذا التحول من خلال التصويت على تعديل الدستور في مارس عام 2011، والذي مهد لسلسلة من الإعلانات الدستورية التي تلتف على مطالب القطاعات الواسعة التي انتفضت على نظام مبارك، ومرة أخرى يتجاهل دعاة التحالف مع الإسلاميين الذي قرروا مهاجمة خصم جديد من نسج خيالهم أطلقوا عليه “اليمين العلماني المصري الجديد” واتهام هذا الخصم بمعاداة الديمقراطية والممارسة السياسية، لا شيء سوى اعتباره الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية الأخرى خصماً سياسياً وليس حليفاً.
بل نصب دعاة التحالف مع الإسلاميين والمنظرين له أنفسهم كمدافعين عن الأحزاب السياسية المستعدة لمثل هذا التحالف مع الإسلاميين، منحها صكوك غفران “الليبرالية العلمانية بجد” وشهادة صلاحية “الممارسة السياسة فعلا”.
إن دعاة التحالف مع الإسلاميين لا ينظرون إلى الديمقراطية باعتبارها وسيلة أساسية لتمثيل القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة وإنما يركزون على أساليب الحشد والتعبئة الشعبية، وهي أساليب مشهورة لدى الأحزاب السياسية الفاشية والنظم الاستبدادية، ولا يتلفتون إلى الانتهازية الواضحة من قبل الأحزاب السياسية الهشة والضعيفة مؤسسيا وماليا في استغلال ورقة الإخوان المسلمين لتعويض ما ينقصهم.
بل إن قراءتهم لتحالف حزب الوفد مع جماعة الإخوان المسلمين، والتي اعتبرهاكثير من الليبراليين سقطة كان حزب الوفد في غنى عنها، قراءة قاصرة ولا تشير إلى قصر عمر التحالف وانفضاضه في الأسابيع الأولى من عمل البرلمان أن الخلاف بين رؤية حزب الوفد وبين الإخوان المسلمين في المنطلقات والرؤى كبير ولا سبيل للتلاقي بين الموقفين. الأمر ذاته ينطبق على التيارات الرئيسيةفي فصائل اليسار، ولم يتحالف مع الإسلاميين سوى فصيل “الاشتراكيين الثوريين” وهو فصيل في أقصى اليسار وتختلط مفاهيمه مع الفوضويين الذي لديهم خصومة واضحة مع فكرة “الدولة” من الأساس.
ولم يكن التحالف مع الإخوان المسلمين محل إجماع من المنتمين لهذا الفصيل. إن الادعاء بأن رفض التحالف مع الإسلاميين مصدره “تيار سلطوي… يعادي الشعب في عمومه”، هو افتراض في غير محله ويشوه النقاش حول فرضية الناخب الرشيد، وهو أحد الإشكاليات الأساسية في النقاش حول الديمقراطية في مصر والتي يستند إليها التيار الموجود في السلطة والذي يرى ان الشعب المصري لم ينضج بعد للاستحقاق الديمقراطي، أو التيار السائد في النخبة والذي يخشى الديمقراطية التي ستأتي بالإسلاميين خصوم الديمقراطية إلى السلطة في ظل الوضع السياسي الراهن.
لن انزلق في الرد على هذه المسألة إلى ذلك النوع من المزايدات الرخيصة وتوجيه الاتهامات للمخالفين في الرأي دون سند والتفتيش في النوايا.
يكفي هنا الدعوة إلى نقاش جاد حول إشكاليات الانتقال إلى الديمقراطية في مصر بعد كل هذه العقود من مصادرة الحياة السياسية وتأميمها، والأهم مصادرة عقول المثقفين والسيطرة عليهم عبر آليات معلومة وموثقة في العديد من الشهادات والدراسات التي لا يتسع المجال لذكرها ومن بينها كتاب “مثقفون وعسكر” لصلاح عيسى، و”معركة بين الدولة والمثقفين” لفتحي غانم، و”وقفة قبل المنحدر” لعلاء الديب وغيرها من كتابات.
لكن ثمة نقطة جديرة بالنقاش طرحها الدكتور عمرو عبد الرحمن تتعلق بالموقف من قضايا الحريات الشخصية والعامة، والتي تصلح كمعيار آخر تعتمده آلية الفرز التي نحتاجها لإعادة رسم الخريطة السياسية وتلمس مسارات للانتقال الديمقراطي من خلال هذه الخريطة، ولا خلاف مع أي دعوة للتفكير النقدي وضرورته من أجل التقدم.
لكن من المهم التمييز عند رسم هذه الخريطة بين الخصوم الواضحين، سياسياً واجتماعياً، وبين الحلفاء المحتملين. ولا بد هنا من التفرقة بين الالتزام المبدئي لليبراليين بالعمل على إشاعة المناخ الليبرالي القائمة على تعددية الاتجاهات والرؤى، والذي لا يصادر حق الإسلاميين أو غيرهم من جماعات عقائدية، في اعتناق ما يشاؤون من أفكار وبرامج، وبين من يعملون على تقييد هذا المناخ الليبرالي ومصادرة المساحات المحدودة من الحريات، العامة أو الشخصية.
وضرورة التمييز بين سعي القوى السياسية المختلفة لبناء قواعد اجتماعية لهم وبين أساليب الحشد والتعبئة القائمة على استغلال المشاعر الدينية لتعبئة الجماهير وحشدها ضد هذه التيار أو ذاك بغرض تهميشه وتصفيته، وليس من أجل كسب التأييد أو الدعم.
لا شك في أن الممارسة الأخيرة لا تصب في صالح تعزيز المناخ العام الحر والمنفتح، وتقلص الفاعلين السياسيين الأمر الذي يبعدنا عن مسألة الانتقال إلى الديمقراطية ويخضعنا لذهنية صراع القلة السياسية على السلطة، ولا أظن أن من يلجأ إلى مثل هذه الأساليب يمكن اعتباره من الليبراليين مهما تكن ادعاءاتهم، لكن هذا أمر والدعوة إلى التحالف مع الإسلاميين في هذا التوقيت وبعد حرب غزة والموقف من حماس أمر آخر.
المسألة هنا ليست مسألة تصنيفات سياسية بين يمين ويسار أو الموقف من الاحتلال الإسرائيلي، وإنما بكل وضوح إن المسألة هنا مسألة الموقف من حماس وسياساتها سواء كسلطة كانت تحكم قطاع غزة، أو كحركة مقاومة تقدم على مغامرات غير محسوبة وتستهين بالثمن الفادح الذي تكبده المدنيون نتيجة لقرارات وسياسات غير محسوبة وغير مدروسة وتقوم على شعارات والتنصل من التزاماتها كسلطة مسؤولة عن حماية المواطنين وممتلكاتهم، والتمييز بين هذا وذاك وبين إبرام تحالف مع الإسلاميين من شأنه تمكينهم من السيطرة على مقاليد السلطة والعصف بالآخرين والتلاعب بآليات الديمقراطية.
لكن مرة أخرى، لا يجوز الاستناد إلى موقف جماعة الإخوان المسلمين من الديمقراطية ونهجهم الانقلابي المجرب والذي لن يحيدوا عنه على الأغلب لرفض الديمقراطية ولا يجوز لمن يطالبون بالديمقراطية أن يطلبوا أي ضمانات من الآخرين، الضمانة الأخيرة والأولى هي مدى الوعي والالتزام والدفاع عن القيم الديمقراطية والحريات العامة للجميع.

















