لا يمكن تقييم مبادرة الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة القدس في نوفمبر عام 1978 وخطابه التاريخي أمام الكنيست الإسرائيلي، وما تبعها من تطورات سياسية غيرت خريطة الصراع المركزي في منطقة الشرق الأوسط لعقود، بمعزل عن تحليل لأزمة الديمقراطية ووجهها الآخر المتمثل في أزمة السلام، أو السلام “المأزوم” الذي جسدته معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية المبرمة في عام 1979، كترجمة لاتفاقية الإطار الأولى الموقعة في كامب ديفيد في عام 1978، في حين جرى تجميد اتفاقية الإطار الثانية والمخصصة لتسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، والتي لم يلتفت إليها الفلسطينيون في اتفاقية غزة وأريحا التي تم التوصل إليه بعد مفاوضات سرية استمرت شهورا في أوسلو، عاصمة السويد، في عام 1993.
وتوالت الاتفاقيات والمبادرات، بدءاً باتفاقية وادي عربة بين إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية، الموقعة في 26 أكتوبر علم 1994، ومبادرة السلام العربية، الصادرة عن قمة العربية التي انعقدت في بيروت في عام 2002، ثم الاتفاقيات الإبراهيمية المبرمة بين إسرائيل وكل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والمملكة المغربية في عام 2020، والتي فكت الارتباط بين تطبيع العلاقات مع إسرائيل وتحرير الأراضي العربية المحتلة، وقبلت بدلاً من ذلك بشعار “السلام مقابل السلام”. وتتمثل أزمة السلام في أنها لم تنه حالة الصراع التي استمرت نتيجة سياسات إسرائيل العدوانية التي كانت سبباً في سلسلة من الحروب الساخنة في لبنان وفي غزة، وأخرى أقل سخونة في الضفة الغربية المحتلة، ولم تُغير من صورة إسرائيل لدى قطاعات عريضة من الشعوب العربية، كعدو تاريخي.
ولا يمكن اعتبار المبادرة وما ترتب عليها من اتفاقيات، اختيار للرئيس السادات وحده، وإلا كان مصيرها الفشل كمصير “اتفاق 17 مايو أيار” الموقع بين الحكومة اللبنانية، في عهد الرئيس أمين الجميل، وبين إسرائيل في عام 1983، الذي ألغي قبل التصديق عليه نتيجة للضغوط السورية ومعارضة القوى السياسية اللبنانية، لاسيما بعد اغتيال السادات في العرض العسكري بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر عام 1981. فعلى الرغم من اغتياله بقيت الاتفاقية، واستمر الموقف المصري يؤكد أن السلام اختيار استراتيجي لمصر.
هناك تفاصيل كثيرة لم تُكشف بعد في الشهور التي أعقبت اتفاقية فض الاشتباك الثانية الموقعة بين مصر وإسرائيل في جنيف في أول سبتمبر 1975، وبين إعلان الرئيس السادات مبادرته في خطاب أمام مجلس الشعب في 9 نوفمبر 1977. وتعد اتفاقية فض الاشتباك الثانية الخطوة الأولى التي شكلت أساساً لمستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية في أعقاب حرب أكتوبر، إذ تم الاتفاق خلالها على عدة مبادئ لحل النزاع بين الدولتين وفي الشرق الأوسط بالوسائل السلمية، والتي استندت بدورها إلى الاتفاقية المبرمة بين الطرفين في 18 يناير 1974، في إطار مؤتمر جنيف للسلام الذي عقد في أعقاب حرب أكتوبر كخطوة أولى نحو “سلام عادل ودائم وفقاً لأحكام قرار مجلس الأمن 338 الصادر في 22 أكتوبر 1973”. المهم أن مصر وإسرائيل أكدتا من خلال هذه الاتفاقية عزمهما “التوصل لتسوية سلمية نهائية وعادلة عن طريق المفاوضات”.
واعتبرت الاتفاقية خطوة هامة نحو تحقيق هذا الهدف، بل تعهد الطرفان، بموجب المادة الثانية للاتفاقية، بعدم استخدام القوة أو التهديد بها أو الحصار العسكري في مواجهة الطرف الآخر، وتعهدتا بالاستمرار في مراعاة وقف إطلاق النار براً وبحراً وجواً والامتناع عن أي أعمال عسكرية أو شبه عسكرية ضد الطرف الآخر (المادة الثالثة)، وتعهد الطرفان ببذل الجهود للتوصل بالتفاوض إلى اتفاق سلام نهائي في إطار مؤتمر جنيف للسلام (المادة الثامنة)، وتضمنت بنوداً أخرى تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية في سيناء وتقدم القوات المصرية.
ولا تنفصل خطوة السادات التي تعد خطوة سياسية بارعة عن قراءته للتحولات الجارية على الساحة الدولية، مع بدء انفراج العلاقات بين المعسكرين السوفيتي والأمريكي ولا التحولات السياسية في إسرائيل مع الفوز التاريخي الذي حققه حزب الليكود بزعامة مناحيم بيجين على حزب العمل الذي احتكر السلطة منذ إعلان قيام الدولة في عام 1948، والذي وصف بأنه زلزال سياسي، فكان لا بد من تحرك يستكمل ما بدأته مصر لإزالة آثار عدوان 1967، واستكمال تحرير أرض سيناء بوسائل دبلوماسية في ظل القيود المتزايدة على فرص تحريرها بوسائل عسكرية والالتفاف على المماطلة الإسرائيلية في استكمال سحب قواتها وتفكيك مستوطناتها في سيناء، وهو نهج واصلته مصر فيما بعد حتى تحرير آخر نقطة في سيناء في طابا عبر التحكيم الدولي.
ولا تنفصل خطوة السادات كذلك عن تفكك التضامن العربي الذي تبلور أثناء حرب أكتوبر، والذي كان عنوانه اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1974، وما أظهرته من انقسامات في العالم العربي، والتعثر في مفاوضات مؤتمر جنيف الدولي للسلام، والتي حولت الحديث عن موقف عربي مشترك داعم لتحرير الأرض ضرباً من الوهم وجرياً وراء سراب، وهو ما أكدته التطورات اللاحقة.
لم تتخل مصر عن التزاماتها تجاه الفلسطينيين في اتفاقيتي كامب ديفيد، وأكدت في تحركاتها الدبلوماسية أن قضية الشعب الفلسطيني ليست قضية لاجئين وإنما هي قضية شعب يسعى للاستقلال وتحرير أرضه المحتلة، وكانت تتطلع من خلال إشراك الفلسطينيين في المفاوضات من خلال اجتماع “مينا هاوس” في القاهرة، إلى لجم التوسع الاستيطاني في الأرض المحتلة، وهو ما لم تدركه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، إلا متأخراً، بعد اجتياح لبنان في عام 1982، وبدأت في صمت مراجعة موقفها ودراسة التحرك المصري دراسة مفصلة وسعت للاستفادة من خبرات المفاوض المصري.
لقد انحاز السادات لخيار مصر الاستراتيجي وبذل كل ما في وسعه لتحقيق الهدف المعلن في خطاب الرئيس عبد الناصر يوم 10 يونيو عام 1967، بإزالة آثار العدوان والتي تعني تحرير الأرض المحتلة بكل وسيلة ممكنة ومشروعة، ودفع السادات وحده ثمن هذا الانحياز في احتفاله بيوم النصر. لقد حقق السادات بخطوته هذه إنجازاً تاريخيا بأن فرض على إسرائيل التوقيع على اتفاقية تقر باحترام الحدود الدولية، دون التخلي عن التزامات مصر تجاه الشعب الفلسطيني.
ولم يتأثر موقف مصر بموقف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي انحازت لجبهة “الصمود والتصدي”، وواصلت مصر جهودها الدبلوماسية لحل القضية الفلسطينية وواصلت دعمها لصمود الشعب الفلسطيني في كل المراحل، بكل وسيلة ممكنة، في إطار التزاماتها وتعهداتها الدولية، السابقة على المبادرة والمعاهدة، منذ مؤتمر جنيف واتفاقية فض الاشتباك الثانية، دون شعارات أو مزايدات، لم تغير من واقع الاحتلال شيئاً وإنما أعطت إسرائيل كل المبررات لمواصلة سياساتها العدوانية.
لم ينحاز السادات لخيار مصر الاستراتيجي فقط، وإنما انحاز للشعوب في تطلعها للسلام، إن الحشود التي خرجت لاستقبال السادات في القدس في طريقه للكنيست وتلك التي استقبلته في القاهرة عند عودته، كان من الممكن أن تشكل رصيداً يمكن استثماره لبناء تيار عام داعم للسلام يشكل قيداً على السياسات العدوانية. لقد كانت حركات السلام داخل إسرائيل التي تظاهرت ضد اجتياح لبنان في عام 1982، والتي أجبرت الحكومة على فتح تحقيق في دور إسرائيل في مذبحة مخيمي صابر وشاتيلا للاجئين والتي كانت مظاهراتها أحد الأسباب التي أوقفت الحروب السابقة في غزة، واحدة من الثمار المباشرة لزيارة السادات وبدء عملية للسلام انتهت باعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاق معها، بعد أن رفض وفدها الجلوس في اجتماع مينا هاوس بسبب رفع العلم الفلسطيني، والتي كانت تعتقل مواطنيها بتهمة الاجتماع مع مسؤولين في المنظمة. وشكل هذا التيار قوة كابحة لصعود تيارات اليمين المتطرف التي تحكم إسرائيل الآن.
لقد اختفت حركات السلام تماماً من المشهد ولم يُسمع لهم إلا أصوات خافتة في ظل الحرب المستمرة لأكثر من عام.
لقد حققت مصر من خلال التزامها بخيار السلام، ما لم تحققه من قبل بسبب القيود غير المعلومة لكثير من الجمهور العام، وربما للنخبة، بموجب اتفاقية الهدنة الموقعة في رودس عام 1949، والعرض الأمريكي للتفاهمات بخصوص سيناء الذي رفضه الملك فاروق وقبله حُكَّام مصر الجدد، وما حققته مصر في سيناء بعد اتفاقية السلام، عمرانيا، بل وعسكريا، يفوق بمراحل ما كان عليه الوضع قبل حرب عام 1967، وما حققته مصر معلوم جيداً لإسرائيل ويشكل رادعا قويا لسياسييها.
لقد استطاع السادات من خلال مبادرته الجسورة أن يرسم مسارا بديلا لمواصلة الصراع مع إسرائيل بوسائل أخرى، لو قبله الفلسطينيون والعرب حينها، لكان مسار التاريخ تغير، ببساطة لأنهم كانوا سيقدمون على هذه الخطوة من موقع القوة الذي فرضه جنود مصر على جبهة القتال في عام 1973، وليس كاضطرار نتيجة تدهور الوضع العسكري والاستراتيجي، وفي ظل هذا الوضع يكون من الصعب تصور أن يكون حل الصراع من خلال الحرب، ولعل الحرب الراهنة تثبت صحة اختيار السادات ومصر في عام 1974 وفي عام 1975 وما بعدهما، وتثبت أن هناك إمكانية للحصول على مكاسب عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية تُعدل الميزان الاستراتيجي المختل في غير صالح الأطراف العربية وفي صالح إسرائيل، بفعل أسباب سياسية وتوازنات دولية.





















