زرت إيران عام 2013 كانت ومازالت تحت الحصار والعقوبات، 47 عاما تعاني من عقوبات امريكية غربية قاسية، هناك زرنا مصانع السيارات وجدتهم يصنعون سيارة صغيرة تملأ شوراع طهران، كان ثمنها في ذلك الوقت حوالي 35 ألف جنيه مصري، ربما لا يمارس الشعب الإيراني الديمقراطية بمعناها الغربي، لكن هناك انتخابات وفرز للنخب.
كل دولة تتعامل بما يتناسب معها، الصين مثلا هناك انتخابات؛ لكن الحزب له الرأي القاطع، لقد شاهدت جزء من تجربة الصين عام 2016 مازال قادة الحزب المحليون يطبقون نفس مناهج التدريب السياسي الاشتراكية والعمل في المزارع، هذا يؤكد أن التنمية والتقدم لا علاقة له بالديمقراطية أو الدكتاتورية؛ إنما له علاقة بالإدارة والإبداع وعدم احتكار الرأي من القيادات.
في ظل كل تلك الضغوط أبدع الإيرانيون وأنتجوا السلاح ولم يأبهوا لما يردده الغرب عنهم، فالغرب دائم مغرض ودائما استعماري ودائما يشيطن الآخرين متكأ على إعلام جبار لا يضاهى، عانى الإيرانيون لكنهم حققوا ما لم تحققه قوى أخرى، وقفوا ندا لأمريكا وإسرائيل بما تمتلكه من أسلحة حديثة أو هي الأحدث، بما تمتلكه من شركات الذكاء الاصطناعي الخطيرة.
وقفت إيران صادمة ثابتة ترد الصاع صاعين وتدمر داخل فلسطين المحتلة حتى صارت المدن تشبه ما دمرته إسرائيل في غزة، ووقف حزب الله اللبناني ندا للعدو وصار يضرب ويأسر ويدمر الدبابات ويطلق المسيرات.
مرت السنون والعقود على إيران منذ ثورة 1979، وظلت العقوبات كالسيف المصلت فوق رقاب شعب لم يركع يوما، لم يخضع، ولم يبع حريته مقابل راحة مؤقتة، سبعة وأربعون عاما من الحصار الاقتصادي، من قطع الطرق، من منع الدواء والغذاء والتقنية، ثم ننظر اليوم فنجد إيران ندا للقوى العظمى، تقف في وجه أمريكا وإسرائيل بثبات من لا يخشى الموت ولا يرتعد لوعيد، كيف حدث ذلك؟ كيف استطاع شعب أن يحول العجز إلى قوة، والضيق إلى اتساع والعزلة إلى اكتفاء ذاتي؟.
السر في الإرادة التي لا تلين، حين يؤمن شعب أن الطريق الوحيد للكرامة هو المقاومة، يصبح كل حجر عثرة خطوة إلى الأمام، فرضت العقوبات لشل الحركة، لكنها أيقظت الهمم، دفعت الإيرانيين إلى الاعتماد على أنفسهم، صنعوا ما كانوا يستوردونه من الأدوية إلى قطع الطائرات، من البتروكيماويات إلى الأسلحة الذكية، لم ينتظروا أحدا، عرفوا أن من يمد يده للخارج سيلقى غدرا أو احتكار.
العلم كان السلاح الأهم، في خضم الحصار لم يتوقف الشباب الإيراني عن الدراسة والبحث، تضاعفت أعداد الجامعات، برعوا في الطب والهندسة النووية والنانوتكنولوجيا والفضاء، اليوم تجد الصواريخ الإيرانية الدقيقة، والطائرات المسيرة التي ترعب القواعد الأميركية، كلها من صنع أياد شابة تعلمت في ظل العقوبات كيف تصنع المستحيل.
أما الاقتصاد، فلم ينهار رغم كل التوقعات، عانى الناس ودفعوا ثمنا غاليا، لكنهم ابتكروا آليات جديدة، اقتصاد المقاومة والاعتماد على الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء التجاريين نحو الصين وروسيا والهند، لم تمنعهم العقوبات من أن يصبحوا لاعبا إقليميا لا يمكن تجاوزه، من بيروت إلى صنعاء من دمشق إلى بغداد.
الأمر الأعمق هو الهوية لم يجد الإيرانيون أنفسهم مضطرين للدفاع عن نظام سياسي فقط، بل عن حضارة تمتد لآلاف السنين، حين تشعر أنك وريث فارس القديمة، وأن ثورة 1979 كانت لاستعادة الكرامة المسلوبة، يصبح الصمود فطرة، والابتكار غريزة، والتحدي متعة؛ استطاعوا أن يعيشوا حياة طبيعية رغم كل شيء، أن يفرحوا، يتزوجوا، ينجبوا، يبنوا، يضحكوا، كأن العقوبات مجرد غيمة صيف عابرة.
حين ترى إيران تقف ندا لأمريكا وإسرائيل، تعرف أنها لم تفعلها بصواريخها فقط، بل بعقلها الذي لم يجمد تحت الضغط، بروحها التي لم تنكسر ، بإيمانها الراسخ أن لا قوة أعظم من قوة الداخل، ولا انتصار أكبر من انتصار الإرادة على الحصار، سبعة وأربعون عاما من العقوبات قضتها إيران، لكنها ابصرت النور، بل قبضت عليه بيديها، كانوا يعلمون ان النصر آت لا محالة، قد لا يكون نصرا عسكريا بالمعنى التقليدي، لكنه نصر مؤزر يجسد قوة الإرادة , ودحر غرور العدو.






















