لم تعد موائدنا تنتهي عند حدود المائدة؛ فالكاميرا أصبحت تجلس معنا، تلتقط الأطباق قبل أن نمد أيدينا إليها، وتوثّق تفاصيل العزائم والمطاعم والحلويات، ثم تحملها إلى شاشات الآخرين.
وربما لا يكون في الأمر أكثر من فرحة أراد صاحبها أن يشاركها، ولا دعاية ولا رغبة في لفت الانتباه. لكن وسط هذا التدفق اليومي لصور الطعام، يخطر لي سؤال مختلف: هل نعرف حقًا من ينظر إلى ما نصوّره؟
في زمن أصبحت فيه الظروف الاقتصادية أكثر قسوة على كثير من الأسر، قد تكون الوجبة التي تبدو عادية في صورة ما، أمنية مؤجلة في بيت آخر. وقد يكون المطعم الذي نراه مجرد مكان عابر في يوم أحدهم، بينما يراه آخر وهو يحسب ثمنه مقابل احتياجات أساسية لا يستطيع تأجيلها.
ثم هناك من لا تمنعه القدرة، وإنما تمنعه صحته. مريض حُرم من طعام يحبه، أو إنسان فرضت عليه ظروفه الصحية نظامًا لا يملك أن يحيد عنه. وقد تمر أمام عينيه صورة لطعام يشتهيه، فتوقظ في داخله رغبة لا يستطيع تحقيقها.
نحن لا نعرف الحكايات التي تجلس خلف الشاشات، ولا نعرف ما الذي ينقص الآخرين، ولا أي صورة عابرة قد تلمس موضعًا حساسًا في قلب إنسان.
ولست ضد الفرح بالنعم، ولا ضد أن نستمتع بما رزقنا الله به. لكن هناك فارقًا دقيقًا بين أن نفرح بالنعمة، وبين أن تصبح النعمة شيئًا نعرضه باستمرار.
وقد علّمنا النبي ﷺ معنى جميلًا في تقدير النعمة ومراعاة الآخرين، فقال لأبي ذر رضي الله عنه: «إذا طبختَ مرقةً فأكثر ماءَها، ثم انظر أهلَ بيتٍ من جيرانك فأصبهم منها بمعروف».
فربما لا تحتاج النعمة إلى كاميرا بقدر ما تحتاج إلى قلب.
فحين تمتلئ المائدة، قد يكون أجمل ما فيها أن يصل بعض خيرها إلى بيت يحتاجه. وحين تفيض علينا النعم، ربما يكون شكرها الحقيقي في أن نترك أثرًا طيبًا منها في حياة إنسان آخر.
فليس كل ما نملكه يحتاج إلى أن نعرضه، وليس كل ما يسعدنا يسعد من يشاهده… وربما يكون أجمل ما في النعمة ألا نكتفي بأن تُرى، بل أن يشعر بها من حولنا.

















