في اليوم العالمي للرواية العربية، تعود بي الذاكرة إلى سنوات كانت القراءة فيها واحدة من أجمل متع الحياة، حين كنا نفتح كتابًا فنشعر أننا لا نقرأ حكاية فحسب، بل ندخل عالمًا كاملًا نعيش مع شخصياته ونشاركها أحلامها وانكساراتها.
فالقراءة بالنسبة لي هي هوايتي الأساسية، وواحدة من أقرب المتع إلى قلبي. وما زلت أتذكر تلك الأيام التي كنت أذهب فيها إلى مكتبة بجوار البيت، أجلس بين الكتب وأرى النيل الجميل، ثم أفتح رواية وأبدأ الرحلة، حتى أشعر وكأنني غادرت عالمي لأعيش في عالم آخر صنعه خيال الكاتب ونسجته كلماته.
لقد أنجبت الثقافة العربية أدباء عظامًا أبدعوا في الرواية، وتركوا لنا أعمالًا تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا. يأتي في مقدمتهم نجيب محفوظ، الذي منح الحارة المصرية روحًا نابضة بالحياة، وتوفيق الحكيم الذي فتح أمامنا أبواب التأمل في الإنسان والحياة، وإحسان عبد القدوس الذي اقترب من المشاعر الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، وطه حسين الذي جعل من الكلمة طريقًا إلى المعرفة والتنوير، وأنيس منصور الذي اصطحب قراءه إلى عوالم الفكر والدهشة. وإلى جوارهم يوسف إدريس، ويحيى حقي، وعبد الرحمن الشرقاوي، والطيب صالح، وغسان كنفاني، وغيرهم من المبدعين الذين أثروا المكتبة العربية. وكل واحد من هؤلاء يستحق مقالًا مستقلًا عن عالمه وإبداعه.
ولعل من أعظم نجاحات الرواية العربية أنها خلقت شخصيات خرجت من صفحات الكتب لتعيش في وجداننا، حتى إننا حين نذكر أسماءها نتحدث عنها وكأننا عرفناها في حياتنا الحقيقية.
فمن منا ينسى محجوب عبد الدايم في «القاهرة الجديدة»، أو سي السيد وأمينة في ثلاثية نجيب محفوظ؟ ومن منا لا يتذكر آمنة في «دعاء الكروان» لطه حسين، أو عتريس وفؤادة في «شيء من الخوف» لثروت أباظة، أو حميدة في «زقاق المدق»؟ لقد أصبحت هذه الشخصيات جزءًا من ذاكرتنا الثقافية، وانتقل بعضها إلى السينما والتلفزيون، فازدادت حضورًا في وجدان أجيال متعاقبة.
هنا تكمن عبقرية الكاتب؛ أن يمنح شخصياته من الصدق والعمق ما يجعلنا نحبها أو نختلف معها، لكننا لا ننساها بسهولة.
وبالنسبة لي، كانت قراءة روايات هؤلاء الكبار فترة من أجمل فترات حياتي، علمتني أن لكل إنسان حكايته، وأن خلف الوجوه العادية عوالم لا نعرف عنها شيئًا.
واليوم، ونحن نحتفي بالرواية العربية، نحتفي بقيمة القراءة وقدرة الأدب على أن يمنحنا فرصة عيش حيوات كثيرة، بينما لا نملك في الواقع إلا حياة واحدة.
فما أجمل أن نغلق كتابًا، لنكتشف أن الحكاية لم تنتهِ، وأن بعض شخصياتها ستظل تعيش فينا، وكأنها عاشت بيننا بالفعل.

















