بينما تتصدر قضايا تطوير التعليم وتحديث المناهج وتقييم الطلاب مساحة واسعة من النقاش، يبقى الطرف الأكثر حضورًا في العملية التعليمية والأقل حضورًا في كثير من هذه النقاشات هو المعلم.
فالمعلم هو الحلقة التي تنتقل عبرها السياسات التعليمية إلى أرض الواقع، وهو من يتعامل يوميًا مع المناهج والطلاب وأولياء الأمور والقرارات والتعليمات. ومع ذلك، فإن الحديث عن تطوير التعليم لا يكتمل من دون التوقف عند ظروف من يقومون بتنفيذه داخل الفصول.
في نظري، المعلم وريث الأنبياء في حمل رسالة العلم وبناء الإنسان. وهذه المكانة لا تعني أن المعلم فوق النقد أو المساءلة، وإنما تعني أن مهنته تحمل مسؤولية تتجاوز حدود الوظيفة؛ فهو لا ينقل المعرفة فقط، بل يشارك، بصورة مباشرة، في تشكيل شخصية الطالب ووعيه ونظرته إلى نفسه وإلى المجتمع.
لكن الواقع يضع المعلم أمام ضغوط متعددة.
ففي المدرسة، لا يواجه المعلم دائمًا طالبًا ملتزمًا بقواعد الانضباط والاحترام. وهناك حالات يتجاوز فيها بعض الطلاب حدود التعامل المقبول مع معلميهم، بما ينعكس على هيبة المدرسة وعلى قدرة المعلم على أداء دوره التربوي. وهنا لا تصبح القضية مجرد خلاف بين طالب ومعلم، وإنما تتعلق بثقافة احترام المؤسسة التعليمية ومن يعملون فيها.
وفي الجانب الآخر، تتراكم على المعلم أعباء مهنية وإدارية نتيجة تعدد القرارات والتعليمات وتغير متطلبات العمل. وكل قرار جديد، مهما كانت أهدافه، يحتاج في النهاية إلى من ينفذه داخل الفصل، وغالبًا ما يكون المعلم هو الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر في التطبيق.
وتزداد المشكلة وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالجانب المادي. فهناك سؤال مشروع ينبغي ألا يغيب عن أي نقاش جاد حول تطوير التعليم: هل يتناسب ما يحصل عليه المعلم مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه؟
هذه ليست دعوة إلى إعفاء المعلم من المسؤولية، ولا إلى تجاهل أوجه القصور داخل منظومة التعليم، وإنما هي دعوة إلى النظر إلى المعلم باعتباره جزءًا أساسيًا من عملية الإصلاح نفسها.
فلا يمكن أن نطالب المعلم بتقديم أفضل ما لديه، ثم نتعامل مع احتياجاته باعتبارها مسألة ثانوية. ولا يمكن أن نتحدث عن تحسين جودة التعليم بمعزل عن بيئة العمل التي يؤدي فيها المعلم مهمته، أو عن مكانته الاجتماعية والمهنية، أو عن قدرته على القيام بدوره دون أن تستنزفه الأعباء المتراكمة.
والأهم أن احترام المعلم لا ينبغي أن يكون شعارًا موسميًا يرتبط باليوم العالمي للمعلمين، وإنما ممارسة يومية تبدأ من المدرسة، وتمتد إلى الأسرة، وتظهر في القرارات المنظمة للعمل، وفي طريقة التعامل مع المعلم وتقدير جهده.
المعلم، في النهاية، ليس رقمًا في منظومة التعليم، ولا مجرد منفذ لمناهج وقرارات. إنه أحد أهم عناصرها، ونجاح أي إصلاح تعليمي سيظل مرتبطًا بقدرته على تنفيذ هذا الإصلاح واقتناعه به وتوافر الظروف التي تمكنه من القيام بدوره.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في يوم المعلم ليس فقط: ماذا قدم المعلم لطلابه؟
بل أيضًا: ماذا قدمنا نحن للمعلم حتى يستطيع أن يقدم ما ننتظره منه؟
إنصاف المعلم لا يعني منحه امتيازات بلا حساب، وإنما يعني وضعه في المكان الذي يتناسب مع حجم رسالته، وتوفير بيئة عمل تحفظ له كرامته، وتمنحه الأدوات التي يحتاج إليها، وتضمن أن يكون المقابل المادي والمعنوي متناسبًا، قدر الإمكان، مع ما يبذله من جهد.
فإذا كان التعليم استثمارًا في المستقبل، فإن الاستثمار في المعلم يجب أن يكون في مقدمة هذا الاستثمار.
رفقًا بالمعلم.. فإصلاح التعليم يبدأ، في جانب كبير منه، من إصلاح حال من يقف كل يوم أمام أبنائنا داخل الفصل.


















