لكل منا مدرسته الأولى في الحياة، التي تتشكل فيها نظرته إلى العالم والناس. وكانت مدرستي الأولى في الحياة هي بيتًا أحب فيه أبي العلم، ونقل إلينا شغفه به بطريقته الخاصة.
كان أبي خريج كلية الهندسة، ومن فرط عشقه للعلم واصل دراساته العليا. وكان يحوّل الرياضيات إلى لعبة، والمعادلات إلى ألغاز نتسابق في حلها. اهتم كثيرًا بالذكاء، وحرص على تنمية قدرتنا على التفكير والتحليل، وكأنما أراد أن يعلمنا أن وراء كل سؤال إجابة، وأن لكل مسألة حلًا.
نشأنا نحب التفكير المنطقي، ونبحث عن إجابة واضحة لكل سؤال، ونتيجة محددة لكل مسألة. تعلّمنا أن الأبيض أبيض، والأسود أسود، وأن واحدًا زائد واحد يساوي اثنين.
لكن بعد تخرجي من الجامعة، بدأت أواجه الحياة على نحو مختلف، وصُدمت من مواقف كثيرة لم أكن أتخيل أن أمر بها. اكتشفت أن الحياة ليست بهذه البساطة، وأن المنطق وحده لا يكفي دائمًا لفهم البشر، وأن ما يبدو واضحًا في البداية قد تكشف الأيام عن جوانب أخرى فيه.
فليس كل إنسان يمكن الحكم عليه من موقف واحد، ولا كل حكاية يمكن اختزالها في مشهد عابر. هناك تجارب نظنها قاسية في بدايتها، ثم ندرك بعد سنوات أنها علمتنا ما لم تكن النصائح قادرة على تعليمه لنا. ومع كل تجربة، تتسع رؤيتنا، ونتعلم كيف نفهم الآخرين، ومتى نتمسك بمواقفنا، ومتى نعيد النظر فيها.
فالحياة مدرسة أكبر من المدرسة الفعلية؛ نتعلم فيها من العلاقات الإنسانية، والنجاح والفشل، واللقاء والفقد، ومن القرارات التي أصبنا فيها وتلك التي أخطأنا في تقديرها. وهي تعلمنا أن العلاقات لا تخضع دائمًا لقواعد المعادلات، وأن الذكاء لا يمنحنا القدرة على توقع كل تصرفات البشر.
أحببت شغف أبي بالهندسة، وأقدّر ما زرعه فينا من حب للعلم والتفكير، لكنني أدركت أن النضج لا يعني أن نعرف إجابة كل سؤال، بل أن نتعلم كيف نتعامل مع الأسئلة التي لا إجابة واحدة لها.
وربما كان أهم ما نتعلمه من ذلك أن نمنح أبناءنا من دروس الحياة بقدر ما نمنحهم من دروس الكتب، بل أكثر بكثير. فالتعليم الأكاديمي يمنحهم المعرفة، لكن الحياة تعلمهم كيف يفهمون أنفسهم والآخرين، وكيف يتعاملون مع الاختلاف والخذلان والنجاح والفشل.
علينا أن نُعدّ أبناءنا للحياة، لا للامتحانات وحدها، وأن نساعدهم على فهم طبيعة البشر، حتى لا يصطدموا بالواقع صدمة قاسية، أو يفقدوا ثقتهم في الناس مع أول خيبة. ليس المطلوب أن نزرع فيهم الخوف، بل أن نمنحهم الوعي والحكمة دون أن يفقدوا نقاء قلوبهم.
فالحياة ليست معادلة نبحث لها عن ناتج نهائي، بل رحلة نتعلم فيها باستمرار. ومهمتنا الحقيقية ألا نعدّ أبناءنا للامتحانات وحدها، بل أن نعدّهم للحياة بكل ما فيها من مفاجآت؛ فهناك دروس لا تمنحها الشهادات، لكنها تصنع إنسانًا أكثر وعيًا ونضجًا ورحمة.



















