يأتي السادس عشر من أكتوبر، اليوم العالمي لرفع الأثقال، ليمنحني مناسبة خاصة أتذكر فيها جدي خضر التوني، الذي رفع اسم مصر عاليًا في أوليمبياد برلين عام 1936. ففي هذا اليوم، لا أتذكر رياضة صنعت أبطالًا فحسب، بل أتذكر حكاية بطل مصري أبهر العالم، حتى إن هتلر تمنى أن يكون ألمانيًا.
لا حرج في أن يشعر الإنسان بالفخر والتمني في آن واحد.
أشعر بالفخر لأن جدي كان واحدًا من أبرز أبطال رفع الأثقال في العالم. ففي التاسعة عشرة من عمره، ذهب إلى دورة الألعاب الأوليمبية ببرلين، ليمثل مصر في منافسات وزن المتوسط. وهناك، على أرض ألمانيا، انتزع الميدالية الذهبية، وحطم الأرقام القياسية الأوليمبية، وقدم أداءً استثنائيًا جعله يتفوق على منافسيه الألمان.
كان انتصارًا لافتًا في دورة أراد النظام النازي أن يجعل منها استعراضًا للتفوق الألماني. لكن شابًا مصريًا كان له حضور مختلف على منصة المنافسة؛ رفع الأوزان، وانتزع الذهب، وفرض اسمه على العالم.
وتروي المصادر المصرية أن هتلر أُعجب بأداء خضر التوني، وهنأه على فوزه، وتمنى أن يكون ألمانيًا. وأتوقف كثيرًا أمام هذه الحكاية؛ فأن يتمنى هتلر أن يكون هذا البطل المصري ألمانيًا، يكشف مدى التأثير الذي تركه أداء جدي في تلك اللحظة التاريخية.
لكن خضر التوني كان مصريًا، وظل اسمه مرتبطًا ببلده، التي مثّلها ورفع علمها في واحدة من أهم المنافسات الرياضية العالمية.
ولم تتوقف حكايته عند ذهبية برلين؛ فقد واصل مسيرته وحقق إنجازات أخرى في رفع الأثقال، وظل اسمه حاضرًا في تاريخ اللعبة. وامتد أثره إلى ألمانيا نفسها، حيث أُطلق اسمه على أحد الطرق في منطقة القرية الأوليمبية بمدينة ميونخ.
أما بالنسبة لي، فخضر التوني ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، ولا بطلًا أقرأ عن إنجازاته من بعيد؛ إنه جدي. ولذلك تحمل قصته عندي معنى شخصيًا يتجاوز الميداليات والأرقام القياسية.
لكن الفخر بالماضي يفتح أمامي بابًا إلى المستقبل.
ابني فارس له طريقه الرياضي الخاص؛ فهو فارس بالمعنى الحرفي، يعشق الخيول ويجيد قفز الحواجز. وحين أتخيله يومًا في الأوليمبياد، لا أراه يرفع الأثقال مثل جده، بل يمتطي حصانه ويقفز به نحو حلمه. أتمنى أن تمنحه الأيام فرصة الوصول إلى هذا الحلم، وأن أراه يومًا يرفع علم مصر في منافسات الفروسية، ويسهم في كتابة صفحة جديدة من صفحات المجد المصري.
ويصبح هذا الحلم أكثر خصوصية حين أفكر في عام 2036، الذي سيأتي بعد مائة عام من أوليمبياد برلين التي شهدت مجد جدي.
أتخيل أحيانًا أن أقف يومًا أشاهد فارس في الأوليمبياد، وأتذكر أن جده وقف على منصة التتويج قبل مائة عام. ماذا لو حمل هذا العام حكاية جديدة لعائلتنا؟ وماذا لو امتد الشغف بالرياضة من الجد إلى الحفيد، عبر قرن كامل، وإن اختلفت الرياضة وتغيرت الميادين؟
لا أعرف ماذا يخبئ المستقبل، ولا أتعامل مع الأمنية باعتبارها وعدًا؛ فالميداليات لا تأتي بالأمنيات وحدها، وإنما وراءها سنوات من التدريب والتعب والصبر والإصرار. لكنني أؤمن أن من حق الإنسان أن يحلم، وأن يتمنى لمن يحب أن يصل إلى أبعد مكان يطمح إليه.
جدي حمل اسم مصر إلى العالم في 1936، وأنا أحلم أن يحمل فارس اسمها من جديد في 2036، على صهوة جواده، في ميدان مختلف، يجمعهما فيه حب الرياضة والطموح إلى المجد.
عندها لن تكون الميدالية مجرد ميدالية، بل ستكون حكاية تصل بين جيلين، وذكرى بطل ترك أثرًا لا يمحوه الزمن، وأمنية أم تتمنى أن ترى ابنها يكتب فصلًا جديدًا في تاريخ العائلة.
فخرٌ بما صنعه جدي، وتمنٍّ أن يكتب فارس الفصل القادم.

















