أصبح قرار شراء العقار بالنسبة للمواطن مرتبطا بسؤال أكبر من السعر والموقع، وهو مدى قدرة المطور على تنفيذ ما وعد به وتسليم الوحدة في موعدها وبالمواصفات المتفق عليها، خاصة مع توسع سوق البيع على الخريطة «Off-plan» واعتماد شريحة كبيرة من المصريين على العقار كأحد أهم أوعية الادخار والاستثمار.
وفي هذا السياق، طرح المهندس عبدالرحمن لبيب، رئيس شركة توب ستار للتطوير العقاري واستشاري القطاع التجاري بعدد من شركات التطوير العقاري، وشريف حلمي، أحد العاملين بالقطاع العقاري على مدار ما يقارب 20 عامًا وشغل منصب رئيس القطاع التجاري لعدد من شركات التطوير العقاري، ووليد أحمد، مدير القطاع التجاري بشركة دبي للتطوير العقاري، رؤى متقاطعة حول مستقبل السوق وآليات حماية العملاء، في ظل التحركات الرامية إلى ضبط السوق ومتابعة المشروعات ومعدلات التنفيذ والتسليم.
لبيب: رد فلوس العميل بعد سنوات مش حماية.. التسليم هو الحل
وقال المهندس عبدالرحمن لبيب، إن استعادة الثقة في السوق العقاري لن تتحقق بمجرد اتخاذ إجراءات أو إصدار توجيهات، وإنما من خلال تنفيذ العقود فعليًا، وتسليم العملاء وحداتهم في المواعيد وبالمواصفات المتفق عليها.
وأوضح لبيب، أن إعادة أموال العميل بعد مرور 3 أو 4 أو 5 سنوات لا تعني حصوله على حقه، لأن قيمة العقار قد تكون ارتفعت بصورة كبيرة خلال هذه الفترة، بالتزامن مع التضخم وتغيرات أسعار الصرف وارتفاع أسعار مواد البناء.
وأضاف عبدالرحمن، أن العميل الذي دفع مليون جنيه في وحدة قبل سنوات ثم أصبحت قيمتها السوقية نحو 10 ملايين جنيه، سيتعرض لخسارة فادحة إذا حصل في النهاية على المليون جنيه فقط، مؤكدًا أن الالتزام الحقيقي يجب أن يكون بتنفيذ العقد وليس الاكتفاء برد الأموال.
وأشار لبيب، إلى أن بعض المطورين غير الجادين يضرون بسمعة السوق بالكامل، موضحًا أن هناك من يحصل على أموال الإنشاءات ثم يتجه إلى شراء أراضي جديدة، مستفيدا من الارتفاعات السريعة في أسعار الأراضي.
وطالب عبدالرحمن، بتطبيق ورقابة حقيقية على السوق، مؤكدًا أن المشكلة ليست في وجود القانون فقط، وإنما في كيفية تطبيقه ومتابعة الشركات والتزامها بما تعاقدت عليه مع العملاء.
شريف حلمي: تأخير المشروعات بيجمّد مدخرات المواطنين
ومن جانبه، قال شريف حلمي، إن نجاح تنظيم السوق لا يتوقف فقط على القرارات، وإنما على آلية تنفيذها، محذرًا من أن التطبيق الجامد للقوانين على جميع المشروعات المتأخرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وأوضح حلمي، أن هناك مشروعات تأخرت بالفعل لسنوات، وأن سحب الأرض من المطور وتسليمها إلى مطور آخر قد لا يكون حلًا بسيطًا، لأن المستثمر الذي وضع مدخراته في المشروع سيجد نفسه أمام أزمة جديدة.
وأضاف شريف، أن المطلوب هو وضع آلية مرنة ولكن محددة المعالم، بحيث يتم تحديد أسباب التأخير وما يحتاجه المشروع من دعم، سواء في البنية التحتية أو الطرق أو الإجراءات، مع وضع جدول زمني واضح ومُلزم لاستكمال التنفيذ.
وقال حلمي، إن الاستثمار العقاري يمثل أحد أهم الأوعية التي يلجأ إليها المصريون لمدخراتهم، مؤكدًا أن تعطيل المشروعات لا يعني فقط تأخير تسليم الوحدات، وإنما يؤدي إلى تجميد أموال ومدخرات وتعطيل دورة اقتصادية أكبر.
وأوضح شريف، أن تشغيل المشروعات المتأخرة يخلق فرص عمل ويحرك قطاعات مرتبطة بالمقاولات والتشطيبات والخدمات، وبالتالي فإن إنقاذ هذه المشروعات ينعكس على الاقتصاد إلى جانب حماية المستثمر.
واقترح حلمي، تشكيل لجان على مستوى عالٍ تضم المطورين في كل منطقة على حدة، لأن مشكلات مشروعات الساحل تختلف عن العاصمة الإدارية أو التجمع أو أكتوبر، على أن يتم وضع «خارطة طريق» لكل منطقة تتضمن أسباب التأخير والإجراءات المطلوبة والجدول الزمني للتنفيذ.
وليد أحمد: المطور القوي هيستمر.. والعميل هيكون الكسبان
وفي السياق نفسه، قال وليد أحمد، مدير القطاع التجاري بشركة دبي للتطوير العقاري، إن رؤية السوق العقاري تبدو أفضل خلال الفترة الحالية، متوقعًا تحسن المبيعات خلال الربع الحالي، بدعم من عودة المصريين في الخارج خلال شهري يوليو وأغسطس، إلى جانب النشاط الذي يشهده موسم الساحل.
وأضاف أحمد، أن حملة «يلا ساحل» ساهمت في تنشيط حركة السوق، متوقعًا أن يواصل المطورون أداءً جيدًا خلال الفترة المقبلة.
وحول تنظيم السوق ومتابعة المطورين والتسليمات، قال أحمد، إن هذه الآلية تحتاج إلى ضبط وتدخل من الدولة، معتبرًا أن تنظيم السوق سيؤدي إلى استمرار المطورين الأقوى، بينما سينسحب المطور الضعيف من السوق.
وأوضح وليد، أن هذا الأمر يصب في النهاية في مصلحة العميل، لأن المشتري سيكون الطرف الأكثر استفادة من وجود سوق أكثر انضباطًا وقدرة على التمييز بين المطور القادر على التنفيذ والمطور غير القادر.
وأشار أحمد، إلى أن العملاء أصبحوا أكثر تخوفًا من شراء الوحدات الـ«Off-plan» أو تحت الإنشاء، موضحًا أن وجود آلية تضمن حقوق العميل وتدخل الدولة في المتابعة يمكن أن يعيد الثقة إلى هذا النوع من المبيعات.
لبيب: العقد الموحد ونسبة التحميل ملفان أمام العميل
وعاد عبدالرحمن لبيب ليطرح ملف العقود، مطالبًا بتطبيق عقد موحد بين شركات التطوير والعملاء، للحد من «عقود الإذعان» وتحقيق توازن أكبر في الحقوق والالتزامات.
وقال لبيب، إن بعض العقود تمنح الشركات حقوقًا واسعة، بينما لا يحصل العميل إلا على حقوق محدودة، موضحًا أن المشكلة تظهر عند وجود اختلاف في المساحة أو المواصفات أو المخطط العام، حيث قد يجد العميل نفسه أمام وحدة مختلفة عما توقعه عند الشراء.
وتطرق عبدالرحمن، كذلك إلى نسبة التحميل، معتبرًا أن اختلاف طرق احتسابها يفتح الباب أمام التلاعب، خاصة عندما يشتري العميل وحدة بمساحة معلنة ثم يكتشف أن المساحة التي يمكنه استخدامها فعليًا أقل بكثير.
وطالب لبيب، بوضع قواعد واضحة وموحدة لاحتساب المساحات، حتى يعرف العميل بشكل دقيق ما الذي يدفع مقابله وما الذي سيحصل عليه عند التسليم.
شريف حلمي: البيروقراطية ممكن تعطل الحل
وحذر حلمي، من أن البيروقراطية قد تمثل عائقًا أمام تنفيذ أي خطة لإنقاذ المشروعات المتأخرة، مشيرًا إلى أن بعض الإجراءات التي يفترض أن تنتهي خلال أسبوع قد تستغرق شهرًا بسبب تعدد التوقيعات والإجراءات الورقية.
وقال شريف، إن مصر في عام 2026 وعلى مشارف 2027، بينما سبقت دول أخرى في استخدام المنصات الإلكترونية لإنهاء إجراءات السوق العقاري، مطالبًا بتقليل الاعتماد على الدورة الورقية وتسريع الإجراءات.
وأكد حلمي، أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو خارطة طريق واضحة، تبدأ بتحديد المشكلات ثم وضع حلول قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الروتين، وبما يحافظ في الوقت نفسه على حقوق المطور والمستثمر.
3 زوايا.. وهدف واحد: حماية المشتري
وتتقاطع تصريحات لبيب وحلمي ووليد أحمد عند نقطة رئيسية، وهي أن ضبط السوق العقاري لن يحقق هدفه إلا إذا انعكس بصورة مباشرة على العميل.
فبالنسبة إلى لبيب، حماية المشتري تبدأ من تنفيذ العقد والتسليم الفعلي، وبالنسبة إلى حلمي، الحل يحتاج إلى مرونة محسوبة وخارطة طريق تمنع ضياع مدخرات المواطنين، بينما يرى وليد أحمد أن تنظيم السوق سيؤدي إلى فرز المطورين ويمنح العميل ثقة أكبر في شراء الوحدات تحت الإنشاء.
وبالتالي، فإن المعركة المقبلة في السوق العقاري لن تكون فقط حول حجم المبيعات، وإنما حول من يملك القدرة على الوفاء بوعده للمشتري، وهو ما قد يجعل ثقة العميل العامل الأهم في إعادة تشكيل المنافسة بين المطورين خلال الفترة المقبلة.
اقرا ايضا: أرض الفرص.. لماذا تراهن غرفة التطوير العقاري على تفوق مصر؟




















