شهدت الساعات الماضية موجة استقالات واسعة داخل حزب الجبهة الوطنية، وامتدت إلى عدد من المحافظات، في مقدمتها سوهاج وبني سويف، حيث تقدّم عدد من القيادات والأمناء النوعيين باستقالاتهم الجماعية والفردية، احتجاجًا على ما وصفوه بـ،«الإقصاء، وغياب الشفافية في اختيار المرشحين، وتراجع مبادئ الحزب عن خطه الأول الذي تأسس عليه».
استقالات بالجملة في سوهاج
في محافظة سوهاج، تصدّر اللواء صلاح شوقي عقيل، أمين الحزب بالمحافظة، قائمة المستقيلين، إلى جانب المهندس نشأت محمد إسماعيل حسين، أمين التواصل الجماهيري، والدكتورة هبة محمد فهمي العطار، أمينة المرأة، إضافة إلى أكثر من عشرة أمناء من أمانات المراكز والأمانات النوعية.
وأكد اللواء صلاح شوقي في بيان استقالته أنه اتخذ قراره بعد حالة من الإحباط نتيجة ما وصفه بـ«الإقصاء وسوء التمثيل» في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، مشيرًا إلى أن ما جرى أفقد الحزب توازنه وقاعدته الشعبية.
وقال في نص استقالته: «استدعيتكم يومًا ما بالقلب الحاني والعقل المتزن لنبني قواعد حزبنا في محافظتنا الحبيبة، كانت آمالنا أن نقيم حزبًا غير كل الأحزاب، لا فساد فيه ولا إفساد، لكننا تفاجأنا بتمثيل هزيل في مجلس الشيوخ، ثم صدمنا بتمثيل أسوأ في مجلس النواب، أقصى كوادرنا من الرجال والسيدات والشباب، مما أفقدنا الأمل في تحقيق طموحاتنا».

«مقعد المرأة» يُشعل الغضب
وجاءت استقالة الدكتورة هبة محمد فهمي العطار، أمينة المرأة بسوهاج، لتضيف بعدًا جديدًا للأزمة، حيث أعلنت استقالتها احتجاجًا على اختيار الحزب سيدة من القاهرة لتمثيل مقعد المرأة الوحيد للمحافظة في القائمة الوطنية، معتبرة القرار «تجاوزًا لإرادة قواعد الحزب في الصعيد».
وقالت في نص استقالتها: «ما جرى في الاستحقاق النيابي الأخير كان صدمة لكل من آمنوا بفكرة الحزب وآزروا التجربة منذ بدايتها، بلغ التجاوز مداه في تجاهل الكوادر النسائية التنظيمية بسوهاج لصالح أسماء من خارج المحافظة، وكأن تمثيل الصعيد مجرد استحقاق قانوني يُستوفى على الورق فقط».
وأكدت العطار أنها من أوائل المؤسسين للحزب في المحافظة إلى جانب عدد من القيادات والأمناء، مشيرة إلى أن ما يحدث «لا ينسجم مع المبادئ التي تأسست عليها الجبهة الوطنية كحزب يقوم على الفكرة والكفاءة لا الولاء الأعمى أو المصالح الضيقة».


استقالات في المراكز: «الصوت الحر لم يعد مرحبًا به»
وفي مركز المراغة بمحافظة سوهاج، قدّم الدكتور محمد عمر أبو ضيف القاضي، أمين الحزب، استقالته اعتراضًا على قرارات الحزب الأخيرة، كما أعلن الدكتور محمود أحمد زرازير، أمين أمانة التراث بالمراغة، انسحابه رسميًا من الحزب للأسباب ذاتها.


وفي مركز طهطا، أعلن قاسم فتحي، أمين أمانة الصحة والسكان، استقالته عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، قائلًا: «أصبحت أشعر أن التوجهات الحالية لا تعكس ما كنت أطمح إليه لم أعد أشعر بأن موقفي داخل الحزب يتيح لي التعبير عن رأيي أو المساهمة كما كنت أطمح».
وأعرب في ختام استقالته عن تقديره لأمين الحزب اللواء صلاح شوقي والعمدة طارق سليمان، مؤكدًا أنه ينسحب «احترامًا لقناعاته، لا اعتراضًا على أشخاص».

أمانة الواسطي ببني سويف: «الانسحاب احترامًا للمبادئ»
وامتدت الأزمة إلى محافظة بني سويف، حيث قدّمت أمانة حزب الجبهة الوطنية بمركز الواسطي استقالة جماعية، في بيان رسمي عبّر عن اعتراضهم على «الممارسات الفردية وانحراف الحزب عن مبادئه الجماعية».
وجاء في نص البيان: «شاركنا في الحزب من أجل مبدأ لا من أجل مصلحة، وحين غابت المبادئ وظهرت سطوة المال السياسي أصبح الانسحاب هو الموقف الأنسب انسجامًا مع ضمائرنا واحترامًا لتاريخ الواسطي ودورها القيادي».
وأكد المستقيلون أن الحزب شهد في الفترة الأخيرة «تراجعًا في التواصل بين القيادة والقواعد، وغياب الدعم الميداني والمعنوي الكامل»، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الأمانة في دعم الحزب وتنظيم فعالياته.

الحزب يرد: «الاستقالات محدودة والطموحات لا تصنع تنظيمًا»
في المقابل، حاولت قيادة حزب الجبهة الوطنية احتواء الأزمة، حيث أكد الدكتور عاصم الجزار، رئيس الحزب، أن عملية اختيار المرشحين تمت وفق معايير الكفاءة والتنوع، مشيرًا إلى أن كثرة القيادات المؤهلة داخل الحزب كانت السبب في صعوبة التوزيع العادل للمقاعد.
وقال الجزار في تصريحاته: «ترشيحات الحزب سواء على القائمة أو الفردي اتسمت بالكفاءة والتفاعل مع الشارع، والمشكلة الكبرى كانت في زيادة عدد القيادات المؤهلة عن المقاعد المتاحة، وهو ما يعكس ثراء الحزب بالكفاءات القادرة على أداء برلماني متميز».
وأضاف أن الحزب يتعامل مع العمل النيابي كمنظومة تشاركية، موضحًا: «نائب الحزب لن يعمل بمفرده، لأن الأداء النيابي سيكون انعكاسًا لرؤية الحزب ولجان المحافظات والمراكز… نحن نعمل على المشاركة لا على الأغلبية، ولدينا رؤية تراكمية للانتخابات المقبلة».
اقرأ أيضا: استقالة جماعية داخل «حماة الوطن» بأمانة الوراق احتجاجًا على اختيارات مرشحي مجلس النواب بالجيزة
القصير: «لم نعد أحدًا بالمناصب ومن يسعى للكرسي فليغادر»
وبدوره، قال السيد القصير، الأمين العام للحزب، إن بعض الاستقالات «حقيقية لكنها محدودة»، نافيًا أن تكون مؤثرة على هيكل الحزب أو مساره، موضحًا أن «العمل السياسي بطبيعته يحتمل مثل هذه المواقف».
وأضاف القصير: «الاستقالات طالت معظم الأحزاب، ولا يمكن اعتبارها أزمة داخل الجبهة الوطنية، هناك من يحاول المزايدة، لكن الحقيقة أن البعض لم تصدر له قرارات تعيين رسمية بعد».
وأكد أن الحزب لن يتراجع عن معاييره التنظيمية، موضحًا: «لم نعد أحدًا بمناصب، ومن انضم من أجل الكرسي فعليه مراجعة نفسه. الحزب يقوم على العمل الجماعي وخدمة الفكرة، لا السعي للمصلحة الشخصية».
وأشار إلى أن الحزب يمتلك بدائل وكفاءات جاهزة في كل المواقع التنظيمية، ويستعد لدعم مرشحيه في الانتخابات المقبلة عبر خطة متكاملة تشمل مؤتمرات جماهيرية، وبرنامج عمل لخمس سنوات قادمة.
واختتم قائلاً: «نراهن على المستقبل، وسنُحدث تحولًا نوعيًا في الحياة الحزبية من خلال أفكار جديدة خارج الصندوق، تعتمد على الكفاءة لا الولاء».
بين طموحات القواعد ورؤية القيادة
وفي الختام، تكشف موجة الاستقالات داخل حزب الجبهة الوطنية عن حالة من التباين بين قواعد الحزب في المحافظات وقيادته المركزية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاق البرلماني.
وبينما يرى المستقيلون أن الحزب فقد بوصلته وانحرف عن مبادئه الأولى، تؤكد القيادة أن الخلافات «طبيعية ومحدودة»، وأنها نتاج طموحات شخصية أكثر منها أزمة فكرية أو تنظيمية.
اقرأ أيضا: «التهميش وغياب الدعم التنظيمي».. استقالات جماعية في حزب «حماة الوطن» بحلوان





















