رغم أن عدد الأحزاب السياسية في مصر يتجاوز الـ 104 حزبًا، فإن حضورها وتأثيرها في الشارع السياسي لا يزالان محل تساؤل، في ظل استمرار الجدل حول أسباب ضعف الحياة الحزبية، وما إذا كانت الأزمة ترتبط بنقص الموارد المالية أم بعوامل أخرى تتعلق بالمناخ السياسي وآليات المشاركة والعمل العام.
ومع تصاعد المطالب ببحث مستقبل العمل الحزبي وسبل تفعيله، تواصلت “الحرية” مع عدد من السياسيين والخبراء وقيادات الأحزاب لاستطلاع آرائهم بشأن أزمة التمويل الحزبي، ومدى تأثيرها على أداء الأحزاب، ورؤيتهم للإجراءات المطلوبة لبناء حياة سياسية أكثر حيوية وقدرة على تمثيل المواطنين والتعبير عن قضاياهم.
التمويل نتيجة لا أصل الأزمة
الدكتور منير فخري عبدالنور السياسي ووزير السياحة والصناعة الأسبق، يرى أن الحديث عن ضعف التمويل يتناول أحد أعراض الأزمة وليس جوهرها، مؤكدًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب بيئة سياسية تسمح بوجود أحزاب فاعلة وقادرة على جذب المواطنين للمشاركة في العمل العام.

وأوضح أن ضعف حرية التعبير وتراجع الإحساس بجدوى المشاركة السياسية يدفعان المواطنين إلى العزوف عن الانخراط في الأحزاب، وهو ما ينعكس تلقائيًا على حجم العضوية والتبرعات والموارد المالية، لتصبح أزمة التمويل نتيجة طبيعية لأزمة أعمق تتعلق بفعالية الحياة السياسية نفسها.
تمويل مشروط ودعم للأحزاب الجادة
من جانبه، اعتبر المهندس حسام الدين علي، النائب الأول لرئيس حزب الوعي، أن التمويل يمثل أحد التحديات المهمة أمام الأحزاب، لكنه ليس المشكلة الوحيدة، مشيرًا إلى أن العديد من الأحزاب تعاني أزمات تنظيمية وهيكلية تجعلها عاجزة عن أداء دور سياسي حقيقي.
وأكد أن دعم الدولة للأحزاب يمكن أن يكون مقبولًا إذا ارتبط بضوابط واضحة ومعايير عادلة، على غرار بعض التجارب الديمقراطية التي تربط التمويل بحجم التأييد الشعبي والنتائج الانتخابية، بما يضمن توجيه الدعم للأحزاب القادرة على المنافسة والحضور الجماهيري.

كما لفت إلى ضرورة تعزيز الشفافية والرقابة على التمويل الحزبي، وتشجيع التبرعات القانونية من خلال حوافز مناسبة، مع إعادة النظر في ظاهرة الأحزاب غير الفاعلة التي تساهم في تكدس المشهد السياسي دون تأثير حقيقي.
أحزاب بلا قواعد جماهيرية
أما الدكتور عماد جاد، المحلل السياسي ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فيرى أن أزمة الأحزاب لا تتعلق بالموارد المالية بقدر ارتباطها بغياب الأحزاب الجماهيرية القادرة على التعبير عن المواطنين وجذبهم.
وأوضح أن النظم الديمقراطية لا تقوم أساسًا على تمويل الدولة للأحزاب، بل على مساهمات الأعضاء والمؤيدين المؤمنين ببرامجها وأفكارها، مشيرًا إلى أن عدد الأحزاب الفاعلة سياسيًا في مصر لا يتجاوز بضعة أحزاب فقط من بين أكثر من مئة حزب قائم.

واعتبر جاد أن ضعف المنافسة السياسية وغياب حرية الحركة الكافية للأحزاب من أبرز أسباب تراجع دورها، مؤكدًا أن إصلاح الحياة الحزبية يبدأ من بناء ثقافة سياسية ديمقراطية وتعزيز المشاركة العامة، وليس من توفير التمويل فقط.
المال مهم.. لكنه لا يصنع حزبًا
بدوره، أكد شادي العدل، رئيس الحزب الليبرالي المصري، أن التمويل يمثل عنصرًا أساسيًا في العمل الحزبي لأنه يوفر الإمكانات اللازمة لتنظيم المؤتمرات والندوات وإعداد الدراسات وتأهيل الكوادر وتطوير المنصات الرقمية والمقرات الحزبية.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المال وحده لا يصنع حزبًا ناجحًا، موضحًا أن الحزب الحقيقي يقوم على ثلاثة ركائز أساسية هي الفكرة والبرنامج السياسي، والكوادر البشرية المؤهلة، والمصداقية والثقة لدى المواطنين.

وحذر العدل من أن التمويل الحكومي قد يؤدي إلى تبعية الأحزاب للدولة ويؤثر على استقلاليتها ودورها الرقابي، معتبرًا أن بناء قواعد جماهيرية حقيقية يظل الضمان الأهم لاستمرار الأحزاب وفاعليتها.
رفض تمويل الدولة للأحزاب
وفي الاتجاه نفسه، رفض الدكتور صلاح حسب الله، المتحدث الرسمي السابق باسم مجلس النواب، فكرة تمويل الدولة للأحزاب، مؤكدًا أن الداعم الحقيقي لأي حزب هو قدرته على الحركة في الشارع وجذب أعضاء ومؤيدين جدد.
وأشار إلى أن العديد من الأحزاب اكتفت بالوجود الشكلي دون بناء قواعد تنظيمية أو توسيع عضويتها، داعيًا إلى مراجعة قانون الأحزاب ووضع معايير واضحة لاستمرارها، بحيث يتم تقييم الأحزاب وفق قدرتها على تحقيق حضور سياسي وتمثيل حقيقي.

واعتبر حسب الله أن تمويل الدولة للأحزاب يطرح تناقضًا جوهريًا، قائلاً إن الحزب من المفترض أن يراقب أداء الحكومة ويحاسبها، ومن غير المنطقي أن يكون في الوقت نفسه معتمدًا ماليًا عليها.
المشاركة السياسية أولًا
أما الدكتور صلاح سلام، مساعد رئيس حزب الوفد لشؤون المناطق الحدودية والعلاقات الدولية، فأكد أن الأحزاب يجب أن تعتمد في تمويلها على قواعدها الجماهيرية وأعضائها، مشيرًا إلى أن الظروف الاقتصادية الحالية لا تسمح بتحميل الموازنة العامة أعباء إضافية لتمويل الأحزاب.
وشدد على أن تطوير الحياة السياسية يرتبط بالأساس بتوسيع هامش المشاركة السياسية والإعلامية، وإعادة النظر في النظام الانتخابي بما يضمن تمثيلًا أوسع للأحزاب داخل البرلمان، معتبرًا أن زيادة مساحة العمل السياسي ستكون أكثر تأثيرًا من أي دعم مالي مباشر.

أزمة تتجاوز المال
ورغم تباين الآراء بشأن تمويل الأحزاب بين مؤيد للدعم المشروط ورافض له، فإن غالبية الآراء اتفقت على أن أزمة الحياة الحزبية في مصر أعمق من مجرد نقص الموارد المالية، وأن تطوير المشهد السياسي يتطلب إصلاحات أوسع تشمل توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز التعددية، وبناء أحزاب تمتلك قواعد جماهيرية حقيقية وبرامج قادرة على إقناع المواطنين واستعادة ثقتهم في العمل العام.
وفي ظل وجود أكثر من 104 حزب سياسي، يبقى السؤال الأهم: هل تحتاج الأحزاب المصرية إلى مزيد من الأموال، أم إلى بيئة سياسية أكثر قدرة على إنتاج أحزاب حقيقية تمتلك الحضور والتأثير؟


















