منذ أكثر من 17 عامًا لم تشهد مصر أي انتخابات للمجالس المحلية، رغم أن هذه المجالس تُعدّ الحلقة الأقرب للمواطن والمسؤولة عن ملفات الخدمات اليومية من نظافة وإنارة ورصف وتراخيص.
ورغم الوعود المتكررة بإجراء الانتخابات، فإن الاستحقاق الأهم في منظومة الإدارة المحلية لا يزال غائبًا منذ عام 2008، تاركًا فراغًا إداريًا وسياسيًا يثير أسئلة عديدة حول الأسباب والتداعيات.
آخر انتخابات لـ المجالس المحلية.. 2008 ثم توقف كامل
تعود آخر انتخابات محليات في مصر إلى أبريل 2008، وهي الانتخابات التي جاءت قبل عام واحد من ثورة يناير.
وبعد حل المجالس المحلية بقرار قضائي في عام 2011، تولّت اللجان المعينة إدارة المحافظات والمراكز والقرى، في وضع مؤقت طال أمده، بينما بقى مقعد “الرقابة المحلية المنتخبة” شاغرًا حتى اليوم.
وعود متكررة
رغم إعلان الحكومات والبرلمانات المتعاقبة عن نية إجراء انتخابات محلية جديدة، خاصة بين 2016 و2020، فهذه الوعود لم تتحول إلى واقع.
أبرز المواعيد التي تم طرحها دون تنفيذ: النصف الأول من 2017 و2018 و2019.
وفي كل مرة كان سبل التأجيل “استكمال قانون الإدارة المحلية” أو أولويات أخرى.
قانون الإدارة المحلية.. وتعليقات وزارية ونيابية
وفي هذا السياق، قال النائب محمد الحسيني، عضو مجلس النواب، إن “فساد المحليات عدى الركب” ويجب مكافحته، على حد قوله، مشيرًا إلى أن بعض المشكلات الصغيرة مثل تراخيص البناء أو تراكم القمامة أو صيانة الإنارة تتحول إلى قضايا نيابية بدلاً أن تُحلّ داخل المحليات، لأن لا وجود رقابي محلي منتخب يقوم بهذا الدور.
ومن جهة أخرى، يشير نواب مثل بدوي النويشي، عضو لجنة الإدارة المحلية، إلى أن انتخاب المجالس المحلية سيسمح للنواب بالتركيز أكثر على العمل التشريعي والرقابي بدلًا من الانشغال بقضايا محلية يومية وبدهشة، فـ”وجود أعضاء محليات منتخبين يساعد النواب في التفرغ لدورهم التشريعي”.
وهذا التحول في الأدوار يعني أن البرلمانيين أصبحوا، في كثير من الأحيان، “نواب خدمات محلية” ينظر إليهم المواطن كجهة وحيدة قادرة على تحريك ملف الشارع، بدلًا من أن تكون هناك هيئات محلية منتخَبة تستجيب مباشرة لاحتياجات كل حي أو مركز.
ليس النقد نيابيًا فحسب، بل هناك اعتراف وزاري أيضًا، فقد صرحت منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، بأن “الفساد موجود في كل مكان، لكنه يبرز أكثر في المحليات” نظرًا لأنها الجهة الأقرب إلى المواطنين، مما يجعلها أكثر عرضة للممارسات غير الشفافة.
وأوضحت وزير التنمية المحلية، في تصريحات لها، أن المراكز التكنولوجية التي تعتمدها بعض الوحدات المحلية تشكل جزءًا من الحل، لأنها تقلّل من التفاعل البشري المباشر وبالتالي تقلل من فرص الفساد في المعاملات اليومية للمواطن مع المحليات.
توافق الحوار الوطني على إجراء انتخابات المحليات بعد 14 عامًا من الانقطاع
وكان توصل الحوار الوطني منذ 3 سنوات إلى توافق واسع حول آلية إجراء انتخابات المجالس الشعبية المحلية، بعد انقطاعها منذ عام 2011، حيث تم الاتفاق على أن 75% من المقاعد تُخصص عبر القائمة المغلقة المطلقة و25% عبر القائمة النسبية.
وأكد ضياء رشوان، المنسق العام للحوار الوطني، أن هذا التوزيع يهدف إلى «إيجاد تمثيل حقيقي للفئات الدستورية» مثل الشباب والمرأة والعمال والفلاحين، وهو أول اتفاق ملحوظ من نوعه في الحوارات الوطنية.
وقال سمير عبد الوهاب، مقرر لجنة المحليات بالحوار الوطني، إن تفعيل المجالس المحلية ضروري للتخلص من البيروقراطية ولتحقيق اللامركزية وتنفيذ محاربة الفساد.
من جانبه، شدد علاء عصام، مقرر مساعد لجنة المحليات بالحوار الوطني، على أن جميع القوى المشاركة أجمعوا على ضرورة إجراء انتخابات المحليات بشكل عاجل، مع التأكيد على ضمان الشفافية والرقابة الشعبية.
كما أوصت مخرجات الحوار بسن قانون ينظم عمل المجالس المحلية، يحدد اختصاصاتها، ويضمن آليات رقابية مثل سحب الثقة والاستجواب، إضافة إلى تأهيل الكوادر الشبابية وتشجيع المشاركة المجتمعية.
أزمة تتفاقم
وعلى مدار 17 عامًا من غياب انتخابات المحليات، تكشف الأزمة عن تعقيد مركب يجمع بين فراغ الإطار القانوني وغياب الإرادة السياسية وتراكم مشكلات الإدارة المحلية، مما يجعل هذا الاستحقاق واحدًا من أكثر الملفات المؤجلة التي تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر.
وحتى صدور قانون جديد متكامل يعيد تشكيل منظومة الحكم المحلي، يظل غياب المجالس المنتخبة ينعكس بوضوح على الشارع، حيث تراجعت الرقابة الشعبية على أداء رؤساء الوحدات المحلية، وضعفت المشاركة السياسية في القرى والأحياء، بينما امتلأ البرلمان بطلبات خدمية كان يفترض أن تُحل داخل المجالس المحلية، مما أضاف عبئًا إضافيًا على النواب وحوّل مسارهم من التشريع والرقابة إلى معالجة مشكلات يومية كان يجب أن تكون ضمن اختصاص المحليات.
اقرأ أيضًا: مشاكل المحليات النقاش الأهم في اجتماع اللجنة الخاصة لدراسة برنامج الحكومة
اقرأ أيضًا: وزيرة التنمية المحلية تعتمد أكبر حركة فى تاريخ المحليات





















