مع إسدال الستار على دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب بقرار جمهوري، لم تُغلق كل الملفات تحت القبة، بل بقيت قضايا تمس الحياة اليومية للمواطنين معلقة في انتظار العودة إلى البرلمان مع بداية دور الانعقاد المقبل.
وبينما نجح المجلس في إقرار عدد كبير من مشروعات القوانين، فرضت بعض الملفات نفسها باعتبارها الأكثر إلحاحًا، بعدما شهدت مناقشات موسعة داخل اللجان النوعية، ووعودًا حكومية لم تكتمل بعد، الأمر الذي جعلها تتصدر الأجندة البرلمانية المنتظرة.
الإدارة المحلية.. استحقاق دستوري مؤجل
ولا يزال قانون الإدارة المحلية أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية المؤجلة، إذ ينتظر البرلمان مناقشة مشروع القانون الجديد الذي يمهد لإجراء انتخابات المجالس المحلية، بعد سنوات من غيابها.
ويؤكد النواب أن غياب المجالس المحلية أدى إلى تراجع أدوات الرقابة الشعبية على الخدمات في المحافظات، وأثر على متابعة المشروعات المحلية، ما يجعل إصدار القانون ضرورة لتعزيز اللامركزية وتفعيل الرقابة على الأداء التنفيذي.
كما يطالب الجميع بسرعة الانتهاء من القانون، باعتباره خطوة أساسية نحو استكمال البناء المؤسسي للدولة، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي.
الأحوال الشخصية.. مشروع ينتظر التوافق
ورغم إعلان الحكومة أكثر من مرة قرب الانتهاء من مشروع قانون الأحوال الشخصية، فإن المشروع لم يصل إلى مجلس النواب خلال دور الانعقاد المنتهي، بسبب استمرار المشاورات بين الجهات المعنية للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين جميع الأطراف.
ويعد القانون من أكثر التشريعات انتظارًا، لما يتضمنه من تنظيم لقضايا الحضانة والرؤية والنفقة والاستضافة، وهي ملفات تشهد مطالبات مجتمعية واسعة بإعادة تنظيمها بما يحقق مصلحة الطفل ويحفظ حقوق جميع أفراد الأسرة.
ومن المنتظر أن يحظى المشروع بأولوية كبيرة فور إحالته إلى البرلمان، في ظل توافق سياسي على أهمية إصدار قانون جديد يعالج الإشكاليات التي أفرزها التطبيق العملي للقانون الحالي.
التأمينات والمعاشات.. أزمة السيستم تحت المجهر
أما ملف التأمينات والمعاشات، فقد شهد واحدة من أكثر المناقشات سخونة داخل لجنة القوى العاملة، على خلفية الأعطال التي أصابت المنظومة الإلكترونية للتأمينات، وتسببت في تعطيل صرف مستحقات عدد كبير من أصحاب المعاشات.
وخلال اجتماع اللجنة، استعرض رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي اللواء جمال عوض تفاصيل الأزمة، مؤكدًا أن الخلل كان فنيًا وتمت معالجته تدريجيًا، فيما طالب النواب بخطة واضحة لمنع تكرار الأزمة، ومحاسبة المسؤولين عن القصور التقني.
وأكد أعضاء اللجنة أن الأزمة كشفت الحاجة إلى وجود نظام احتياطي يضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطنين في حالات الطوارئ، مع سرعة الانتهاء من تحديث البنية التكنولوجية للهيئة.
كما طالب عدد من النواب بصرف تعويضات للمواطنين الذين تضرروا من تعطل الخدمات، استنادًا إلى أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، مؤكدين أن التحول الرقمي لا يجب أن يكون على حساب حقوق أصحاب المعاشات.
العدادات الكودية.. أزمة لم تنتهِ
تأتي أزمة العدادات الكودية في مقدمة الملفات المؤجلة، بعدما شهدت لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب سلسلة من الاجتماعات لمناقشة عشرات طلبات الإحاطة المقدمة من النواب بشأن شكاوى المواطنين من ارتفاع قيمة الفواتير، وربط العدادات الكودية بشرائح استهلاك أعلى، فضلًا عن استمرار معاناة أصحاب طلبات التصالح وتقنين الأوضاع.
وخلال اجتماعات اللجنة، طالب النواب بحضور وزراء الكهرباء والتنمية المحلية والإسكان، لوضع حلول نهائية للأزمة، مؤكدين أن المنظومة الحالية أفرزت أعباء مالية إضافية على المواطنين، وأن استمرار العمل بها دون معالجة يفاقم حالة الغضب في الشارع.
كما دعا عدد من أعضاء اللجنة إلى إعادة النظر في آليات احتساب الاستهلاك، وإيجاد إطار زمني واضح لتحويل العدادات الكودية إلى عدادات قانونية للمواطنين الذين استوفوا إجراءات التصالح أو تقنين أوضاعهم، مع ضمان عدم تحميلهم أعباءً مالية غير مبررة.
الدعم التمويني.. تنقية البطاقات وآلية التظلمات
ويظل ملف الدعم التمويني أحد أكثر الملفات حساسية، بعدما أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية تنفيذ المرحلة الأولى من تنقية البطاقات التموينية، واستبعاد عدد من البطاقات وفقًا لمعايير العدالة الاجتماعية.
وخلال الفترة الماضية، أكدت الوزارة أن الإجراءات تستهدف وصول الدعم إلى مستحقيه، مشيرة إلى إتاحة آليات للتظلم للمواطنين الذين تم إيقاف بطاقاتهم التموينية.
ورغم تأكيدات الحكومة بأن عملية التنقية تعتمد على قواعد بيانات محدثة، طالب عدد من النواب بضرورة مراجعة الحالات المستحقة التي تضررت من قرارات الاستبعاد، والإعلان بشفافية عن معايير الاستحقاق، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وعدم الإضرار بالأسر الأولى بالرعاية.
كما شدد أعضاء البرلمان على أهمية الإسراع في الانتهاء من منظومة الربط الإلكتروني بين قواعد البيانات المختلفة، لتقليل الأخطاء وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
ومع اقتراب انطلاق دور الانعقاد المقبل، تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومة والبرلمان على ترجمة المناقشات والتوصيات التي شهدتها اللجان النوعية إلى قرارات وتشريعات قابلة للتنفيذ، خاصة في الملفات المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين.





















