في ظل توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بالإسراع في إجراء انتخابات المجالس المحلية، ودعمه المستمر للشباب وحرصه على تعزيز مشاركتهم في الحياة العامة وتنشيط الحياة السياسية والحزبية، عاد إلى الواجهة سؤال طال غيابه:” هل حان الوقت لعودة الحياة السياسية إلى الجامعات؟”.
فمع الحاجة إلى إعداد جيل جديد من الشباب القادر على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية والعمل العام، تبرز الجامعة باعتبارها إحدى أهم المساحات لاكتساب الوعي السياسي ومهارات الحوار والمشاركة، لكن في المقابل يظل هناك تخوف من تحول الحرم الجامعي إلى ساحة للاستقطاب أو الصراع الحزبي.
ومن هنا، فتحت «الحرية» هذا الملف مع عدد من السياسيين والبرلمانيين، لرصد رؤيتهم حول الشكل الأنسب لعودة الممارسة السياسية إلى الجامعات، وما إذا كانت البداية يجب أن تكون من خلال التثقيف السياسي والأنشطة الطلابية وانتخابات الاتحادات، بعيدًا عن التنظيم الحزبي.
محمد عبد المجيد: ممارسة السياسة حق للشباب.. والعمل الحزبي مكانه الأحزاب
أكد الدكتور محمد عبد المجيد، المحامي والسياسي، أهمية إتاحة الفرصة أمام الشباب لممارسة السياسة والتعبير عن آرائهم داخل الجامعات، مع رفضه لممارسة العمل الحزبي داخل الحرم الجامعي، مشددًا على ضرورة الفصل بين العمل السياسي والعمل الحزبي.
وقال عبد المجيد، إن الجامعة يجب أن تظل مساحة لتلقي العلم وتربية الكوادر، مع إتاحة المجال أمام الطلاب لممارسة الأنشطة والتعبير عن آرائهم بصورة سلمية، بعيدًا عن العنف أو التمييز.

وأوضح أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية جذب الشباب وتأهيلهم ليكونوا كوادر سياسية مستقبلية، بينما يجب أن تركز الجامعة على بناء الوعي وإتاحة النقاش حول القضايا العامة.
وحذر من أن دخول الأحزاب إلى الجامعات قد يفتح الباب أمام إشكاليات مرتبطة بالاستقطاب والتصنيف بين أحزاب المعارضة والموالاة، مؤكدًا أن العمل الحزبي مكانه الطبيعي داخل أروقة الأحزاب.
أحمد علاء فايد: الجامعة نقطة الانطلاق الحقيقية لإعداد الكوادر السياسية
وفي المقابل، أكد النائب أحمد علاء فايد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن العمل السياسي داخل الجامعات يمثل «الأصل والأساس» في إعداد الكوادر السياسية، مستشهدًا بتجربته الشخصية كرئيس لاتحاد طلاب الجامعة، والتي كان لها أثر كبير في تشكيل وعيه السياسي.
وقال فايد إن الجامعات تمثل «المفرخة الحقيقية» للأحزاب والنقابات والقيادات العامة، مؤكدًا أن اهتمام الطلاب بالسياسة منذ سن مبكرة يضمن استدامة الكوادر السياسية.

وأشار إلى أن فتح المجال أمام الممارسة السياسية لا يعني إجبار جميع الطلاب على المشاركة، وإنما منح كل طالب فرصة خوض التجربة واكتشاف مدى رغبته في استكمال العمل السياسي بعد التخرج، مؤكدًا أن الطالب حتى إذا لم يصبح سياسيًا يجب أن يخرج من الجامعة وهو يمتلك الحد الأدنى من الوعي بحقوقه وواجباته وكيفية المشاركة في الانتخابات ومتابعة القضايا العامة.
ورأى فايد أن تراجع اهتمام الأجيال الجديدة بالعمل السياسي مقارنة بالأجيال السابقة يرتبط، من بين أسباب أخرى، بغياب الممارسة السياسية عن الجامعات وتراجع المجال العام.
وأضاف أن وجود إطار سياسي منظم داخل الجامعة من شأنه أن يشجع الطلاب على التفاعل مع الشأن العام، سواء بالمشاركة المباشرة أو حتى بالمتابعة، معتبرًا أن رؤية الطالب للعمل السياسي من حوله تساهم في تعزيز اهتمامه بالحياة العامة.
وربط عضو مجلس النواب بين عودة السياسة إلى الجامعات والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية، موضحًا أن إتاحة المجال أمام الشباب للممارسة السياسية يمكن أن تسهم في إعداد كوادر مؤهلة للمشاركة في المجالس المحلية، التي تحتاج إلى أعداد كبيرة من الشباب القادر على العمل العام.
محمد عبد العزيز: غياب السياسة عن الجامعات جرّف الحياة السياسية
من جانبه، أكد الكاتب الصحفي محمد عبد العزيز والنائب السابق، أن اللوائح الطلابية المتعاقبة منذ عام 1979 تحظر ممارسة العمل الحزبي داخل الجامعات، مشددًا في الوقت نفسه على أن هذا الحظر يجب ألا يمتد إلى تعطيل العمل السياسي والوطني أو إضعافه.
وقال عبد العزيز إن توقف انتخابات اتحادات الطلاب لسنوات طويلة أدى إلى «تجريف» الحياة السياسية داخل الجامعات، وإضعاف دورها الطبيعي في إعداد الكوادر السياسية والوطنية.

وحذر من أن استمرار الفراغ السياسي داخل الجامعات قد يفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب، مؤكدًا أن التيارات المدنية والوطنية يجب أن يكون لها دور توعوي وسياسي داخل الجامعات، دون تحويلها إلى ساحات للعمل الحزبي والتنظيمي.
وأشار إلى أن انتخابات اتحاد الطلاب تمثل أول تجربة انتخابية حقيقية يعيشها قطاع كبير من الشباب، وأن انتظامها وممارسة الطلاب للعمل العام يمكن أن يساهما في رفع الوعي السياسي وتعزيز الانتماء الوطني، بما ينعكس لاحقًا على المشاركة في انتخابات المحليات والانتخابات النيابية والرئاسية.
حسام الدين علي: لنجرب العمل السياسي داخل الجامعات لـ5 سنوات
بدوره، أعلن المهندس حسام الدين علي، النائب الأول لرئيس حزب الوعي، دعمه لعودة الحياة السياسية إلى الجامعات، مع رفضه للعمل الحزبي التنظيمي داخل الحرم الجامعي.
وقال علي إن مخاوف الدولة من تغول التيارات الدينية كانت أحد أسباب تقييد النشاط السياسي داخل الجامعات، إلا أن تجربة المنع، بحسب رؤيته، لم تحقق أهدافها بالكامل، إذ تمكنت بعض التيارات من استقطاب الطلاب في فترات سابقة رغم القيود المفروضة على العمل السياسي.

واقترح السماح بتجربة العمل السياسي العام داخل الجامعات لمدة خمس أو ست سنوات، ثم تقييم النتائج، موضحًا أن المقصود هو مناقشة قضايا الوطن والاقتصاد والتنمية والأمن القومي، وليس الدعاية الحزبية أو تشكيل تنظيمات داخل الجامعة.
وأكد أن الجامعة تمثل «المدرسة الحقيقية لإعداد القيادات»، وأن إهدار سنوات الدراسة الجامعية دون استثمارها في اكتشاف المواهب والقيادات الشابة ينعكس على قدرة الأحزاب والبرلمان والمجالس المحلية على تجديد صفوفها.
وشدد على ضرورة زيادة جرعات التثقيف السياسي داخل الجامعات، من خلال التعريف بالنظام الانتخابي والأيديولوجيات السياسية وآليات إدارة الاقتصاد والشأن العام، مؤكدًا أن الهدف هو بناء مواطن واعٍ، وليس خلق حالة من الاستقطاب.
رضا فرحات: اتحادات الطلاب بوابة للتثقيف والمشاركة السياسية
وأكد اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن عودة النشاط السياسي إلى الجامعات من خلال اتحادات الطلاب والأنشطة التثقيفية تمثل أهمية كبيرة في بناء وعي الشباب.
وشدد فرحات على ضرورة تعاون وزارتي التعليم العالي والشباب مع الاتحادات الطلابية لتطوير دورها، معتبرًا أن انتخابات الطلاب يمكن أن تتحول إلى تدريب عملي على الديمقراطية من خلال المناظرات والحوار والنماذج الانتخابية والمحاكاة والندوات التي تستضيف اتجاهات فكرية متعددة.

وأشار إلى أن أبناء «جيل زد» بحاجة إلى حياة سياسية سلمية تساعدهم على فهم الدستور ومؤسسات الدولة والنظم الانتخابية والأحزاب والسياسات العامة، إلى جانب تدريبهم على الحوار وقبول الاختلاف والتفكير النقدي البناء.
وحذر فرحات من ترك المجال السياسي داخل الجامعات في صورة فراغ، مؤكدًا أن الفراغ يمكن أن تستغله الجماعات المتطرفة في استقطاب الشباب، بينما يكمن الحل في توفير مسارات منظمة للحوار والتثقيف والقيادة.
وشدد في الوقت نفسه على أن الجامعة ليست ساحة للصراع الحزبي، وأن الطالب يجب أن يمتلك مساحة للتعبير عن رأيه ومناقشة القضايا العامة دون تعرضه للضغط بسبب موقفه السياسي، طالما يلتزم بقواعد الحوار والنقد البناء.
محمد عبد العليم داود: السياسة جزء من العملية التعليمية
وفي السياق ذاته، أكد النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، تأييده لعودة الحياة السياسية إلى الجامعات، مع ضرورة عدم تأثير ذلك على العملية التعليمية أو تحويل الحرم الجامعي إلى ساحة للعمل التنظيمي الحزبي.
وقال داود إن الأحزاب هي المجال الطبيعي لممارسة السياسة، لكن ذلك لا يمنع الجامعات من إتاحة الأنشطة السياسية والتوعية بالقضايا العامة، مؤكدًا أن السياسة لا يمكن فصلها عن التعليم.

وأشار إلى أن طلاب الحقوق والاقتصاد والعلوم السياسية والتاريخ والجغرافيا يدرسون جوانب مرتبطة بالشأن السياسي، كما دعا إلى دعم الندوات السياسية والمناظرات والتوعية بالدستور والانتخابات وحقوق الإنسان باعتبارها أدوات أساسية لبناء وعي الطلاب.
بين السياسة والحزبية.. أين تقف الجامعة؟
وفي الختام، تكشف آراء السياسيين والنواب عن اتفاق واسع على أهمية عودة التثقيف والممارسة السياسية إلى الجامعات، مع رفض تحويلها إلى ساحة للصراع الحزبي، وبينما يرى البعض أن الجامعة هي البداية الحقيقية لصناعة الكوادر، يطرح آخرون انتخابات اتحادات الطلاب والندوات والمناظرات كمسارات آمنة لبناء الوعي السياسي.
ومع اقتراب انتخابات المحليات، يبقى التحدي في إعداد جيل واعٍ وقادر على المشاركة في الحياة العامة، مع الحفاظ على الجامعة كمساحة للحوار بعيدًا عن الاستقطاب.






















