كلما أعلن القائمون على الإعلام المصري عن مشروع جديد أو خطة تطوير أو انطلاقة مختلفة، يتجدد الأمل لدى المشاهد بأن هناك تغييرًا حقيقيًا قادمًا، لكن سرعان ما تتبدد هذه الآمال بمجرد فتح الشاشة، ليكتشف الجمهور أنه أمام المشهد نفسه والوجوه نفسها والعقلية نفسها التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في تراجع الإعلام المصري وفقدانه جمهوره وتأثيره.
المشكلة لم تعد في الإمكانيات أو التمويل أو التكنولوجيا، بل في الإصرار الغريب على إعادة تدوير الوجوه ذاتها التي استهلكها المشاهد وحكم عليها بالفشل منذ سنوات.
وكأن الإعلام المصري يعيش داخل لعبة كراسٍ موسيقية لا تنتهي؛ مذيع ينتقل من قناة إلى أخرى، وبرنامج يتغير اسمه فقط، وشخصيات تخرج من نافذة لتعود من الباب الرئيسي وكأن الساحة خالية من أي كفاءات جديدة.
وعلى رأي المثل الشعبي، فإن ما يحدث ليس أكثر من “تغيير العتبة” بينما يبقى البيت كما هو. فما جدوى تغيير الديكورات والشعارات والاستوديوهات إذا كانت الوجوه نفسها التي دفعت الجمهور إلى الهروب من الشاشات ما زالت تفرض نفسها على المشاهد وكأن متابعتها واجب وطني لا خيار فيه؟
اللافت أن بعض الجهات التي تتحدث عن التجديد ما زالت تعتمد على الوجوه القديمة نفسها للترويج لمشروعاتها الجديدة. وكأن الرسالة التي تصل إلى المشاهد هي أن المستقبل لا يملك إلا أدوات الماضي.
لكن الحقيقة أن هذه الوجوه كانت جزءًا من الأزمة وليست جزءًا من الحل. فلو كانت قادرة على استعادة الجمهور لما وصل الإعلام المصري إلى هذه الحالة من التراجع أصلًا.
لقد شاهدت بالمصادفة افتتاح أحد البرامج التي يراهن عليها المسؤولون ضمن خطة إعادة إحياء المشهد الإعلامي، فكانت الصدمة أن الرهان نفسه قائم على أسماء استهلكت كل فرصها. وكأن أحدًا لم يتعلم شيئًا من سنوات الفشل المتراكمة. وكأن المطلوب من المشاهد أن يصدق أن الأشخاص أنفسهم الذين لم ينجحوا بالأمس سيصنعون المعجزة اليوم.
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الوجوه، فالمحتوى نفسه يعاني حالة من الفقر الشديد. أين الإعداد؟ أين البحث؟ أين الحوارات الجادة؟ أين الضيوف الذين يملكون ما يستحق الاستماع إليه؟ وأين المعلومة التي تضيف شيئًا إلى عقل المشاهد؟
للأسف أصبح جزء كبير من البرامج قائمًا على الثرثرة الفارغة. ساعات طويلة من الكلام لا تنتج فكرة واحدة تستحق التذكر. ضحكات مصطنعة وتعليقات سطحية ونقاشات بلا قيمة وكأن الهدف هو ملء وقت البث لا أكثر. أما المشاهد الذي يبحث عن معرفة أو تحليل أو حوار حقيقي فلا يجد سوى كمية هائلة من الضجيج.
والأسوأ من ذلك تلك العادة المتجذرة لدى عدد كبير من المذيعين والمذيعات الذين يتعاملون مع البرنامج وكأنه ملكية خاصة. فبدلًا من إدارة الحوار يتحولون إلى أبطاله الوحيدين. يطرح المذيع السؤال ثم يجيب عنه بنفسه.
يقاطع الضيف قبل أن يكمل فكرته، يحتكر الحديث ويستعرض آراءه الشخصية وكأن وجود الضيف مجرد ديكور لا أكثر.
في الإعلام المحترف يكون المذيع جسرًا بين الضيف والجمهور، أما في كثير من برامجنا فقد أصبح هو المذيع والضيف والمحلل والخبير في الوقت نفسه. والنتيجة أن المشاهد لا يسمع إلا صوتًا واحدًا يتكرر بلا توقف.
حتى الضيوف أنفسهم أصبحوا عاجزين عن استكمال إجاباتهم بسبب المقاطعات المستمرة وحب الظهور الذي يطغى على بعض مقدمي البرامج.
والمؤسف أن هذه الممارسات ما زالت مستمرة رغم أن الجمهور غادر منذ زمن. فالمشاهد اليوم يمتلك عشرات البدائل ومئات المنصات التي تقدم محتوى أكثر احترافًا واحترامًا لعقله.
ولم يعد مضطرًا لتحمل هذا المستوى من الأداء أو متابعة أسماء استهلكت حضورها ولم يعد لديها ما تقدمه.
إن أزمة الإعلام المصري ليست أزمة جمهور كما يحلو للبعض أن يردد. الجمهور موجود ويتابع المحتوى الجيد أينما كان. لكنه فقد ثقته في منظومة ما زالت تكرر الأخطاء نفسها وتكافئ الفشل بإعادة إنتاجه.
كما أن الأزمة ليست في غياب المواهب، فهناك أجيال كاملة من الشباب تملك القدرة على تقديم إعلام عصري ومختلف، لكن الأبواب ما زالت مغلقة لصالح الأسماء نفسها التي تحتل المشهد منذ سنوات طويلة.
لقد مل الناس هذه الوجوه وملوا الخطاب نفسه والأساليب نفسها والبرامج التي لا تقدم سوى الكلام الفارغ. ولهذا ابتعدوا عن كثير من القنوات المصرية وتركوا شاشاتها تبحث عن جمهور لم يعد موجودًا.
أما إذا كانت هناك رغبة حقيقية في استعادة مكانة الإعلام المصري، فإن البداية لا تكون بتغيير الشعار أو الديكور أو اسم البرنامج، بل بإزاحة عقلية إعادة التدوير بالكامل.
المطلوب وجوه جديدة وأفكار جديدة ومحتوى يحترم عقل المشاهد، أما استمرار لعبة الكراسي الموسيقية فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: المزيد من الفشل والمزيد من ابتعاد الجمهور عن إعلام لم يعد يرى فيه نفسه ولا يجد فيه ما يستحق المتابعة.

















