جرى خلال الأيام القليلة الماضية استدعاء ناظر مدرسة الانتخابات ومهندس علم الهندسة الانتخابية الراحل كمال الشاذلي، ورغم أنه مكروه لدى الكثير من السياسيين، فإنه في واقع الأمر من أهم وأكثر القيادات السياسية قدرة على هندسة السياسة والانتخابات، وقد نجح على مدار نحو خمسة عقود في أن يصنع تاريخًا برلمانيًا وسياسيًا لا يجاريه فيه أحد.
وأحسب أن الرجل وجيله من السياسيين الذين أكملوا تعليمهم، شكّلوا صخرة مستوية صلبة استقر على قمتها نظام الرئيس مبارك، وقد ورثهم الأخير من سلفه الرئيس السادات. وحظي الشاذلي بالعمل معهم في التنظيم الطليعي ومنظمة الشباب والاتحاد الاشتراكي، وجميعهم كانت لديهم خبرات تراكمية مكّنت جيل الشاذلي وصفوت الشريف والدكتور مفيد شهاب وحسين كامل بهاء الدين والدكتور علي الدين هلال وغيرهم من طائفة المعلمين، من تثبيت دعائم دولة مبارك على مدار العقود الثلاثة، وبخاصة السنوات العشر الأخيرة من حكمه.
كان الشاذلي أستاذًا في تجنيد القيادات ورؤوس العائلات، وتوظيفهم في هندسة السياسة والانتخابات في بلادهم، وكان أغلبهم من رفقائه في منظمة الشباب والتنظيم الطليعي مثل محمد عبد المحسن صالح في أسيوط، وعبد العال الدرديري في سوهاج، وهيرماس رضوان في الدقهلية، وغيرهم من السياسيين.
وكان يعرف، بتراكم خبراته، كيفية توزيع الحصة فوق نسبة الـ 60% الحاكمة الكافية للتصويت لصالح قرارات الحكومة؛ وهي عملية توزيع مدروسة موزّعة على اليسار واليمين والأحزاب المحدودة في زمنه.
ولذلك حرص الإخوان، في أعقاب يناير 2011، على هدم الحزب الوطني لأنه التنظيم القادر على منافستهم، ولأنه يملك تنظيمًا عنقوديًا في ربوع مصر من أقصاها إلى أقصاها.
كان الشاذلي سياسيًا يخشوشن في كلامه تارة، ويستلين فيه تارة أخرى، أتذكر—والعبد لله قادم من أسيوط—أنني نشرت تحقيقًا عن الباجور، وعن عمدة البلد الذي كانت أسرته كلها في قطاع الكهرباء والبترول، وبالتأكيد ممن عيّنهم “المعلم” كمال، وقد أفلتت أم ومرات جناب العمدة من ماكينته التوظيفية، وبعد النشر بيومين تقريبًا، تلقيت اتصالًا على تليفون بوابة صحيفة العربي، وإذا به على الهاتف يطلب مني الحضور إلى مكتبه.
وحينما دخلت مكتبه، والعبد لله عند الباب، استقبلني بزفة بلدي لا لزوم لها، حرّك نظارة القراءة عند حافة أنفه المنتفخ بما يعوقها عن السقوط، وقال لي: “إنت محمود العسقلاني؟” فلم أرد متهيبًا.
وأردف قائلًا جملته التاريخية لي: “يا ابني أنا لو أخدت نفس من بقي أشفطك” ثم باغتني بعدها بعبارات تليين وسياسة ودلع، وعزمني على سندوتشات طعمية من محل أم أشرف، وهي سندوتشات مكتظة بالطعميّة الموحوحة والباذنجان المحيق بالثوم والشطة السياسية الممتعة. وقال لي: “إنت ناصري، وأنا عارف الناصريين بيعشقوا الطعمية” وأضاف متمسحًا في الناصرية: “أنا ناصري، لكن وجودي في الحكومة بيديني باور لخدمة الناس.” ثم قال: “إنت زعلان ليه؟ لو عندك أخ أو أخت وعايز تعيّنهم.. هات أوراقهم وأعيّنهم لك” وأضاف: “لو إنت في موقع كمال الشاذلي، بالتأكيد هتعيّن ولاد العمدة ومراته والعمدة ذاته.”
وحبسنا على الطعمية بكوبايتين شاي صعيدي. وفي حقيقة الأمر، تعلمت منه درسًا في قواعد تسييس المعارضين؛ فقد لعب معي لعبة سياسية: في البداية كان قاسيًا وشد شدتين، وبعدها استنعم في كلامه، وخرجت من مكتبه متعلمًا درسًا في السياسة: كيف يتعامل هذا الجيل من السياسيين مع خصومه، أو—إن صح القول—مع المختلفين معه.
وقد أدركت أن هذه المجموعة أكملت تعليمها رغم أنه تعليم مجاني، ولديها قدرات المزاوجة السياسية دون الوقوع في الحرام الدستوري والقانوني، على عكس أحزاب وُلدت بعثرات وجاءت بنظام الحقن والتلقيح المجهري بمعرفة أجهزة لا تجيد المزاوجة السياسية الطبيعية.
وربما حزب العدل هو الحزب الوحيد المستثنى من بين أحزاب أطفال الأنابيب القادمون للحياة الحزبية بالحقن المجهري؛ فجميعهم يستعين بلاعبين محترفين من رديف الحزب الوطني، على طريقة استقدام الأهلي لاعبين من الزمالك مثل زيزو وبن شرقي وإمام عاشور.
والحق أقول إن النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، يستطيع أن يملأ فراغ الشاذلي، لأنه الوحيد الذي لديه كوادر شبابية كوّنها في إطار البناء القاعدي في جميع المحافظات. مليار مبروك لمنعم نجاحه باكتساح، وأمل أن يحظى بالدعم الذي يستحقه.




















