التصريح الأخير للدكتور مدحت نافع والذي أشار فيه إلى أن النمو السكاني في مصر ينبغي أن يكون بالسالب، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رأي اقتصادي عابر.
فالرجل يشغل مواقع مؤثرة في المجالين السياسي والمالي/الاستثماري، فهو سياسي، عضو مجلس أمناء حزب العدل، أحد الأحزاب القريبة من السلطة والتي لديها أعضاء في السلطة التشريعية أتوا من بوابة القائمة الوطنية ” المطلقة” في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، كما سبق أن تولّى عدد من المناصب الرسمية في الدولة، كما يعد أحد المشاركين فى الإدارة الاقتصادية بالبلاد، وبالتالي فإن كلماته تصدر من موقع سياسي ومؤسسي وخبرة تنفيذية، لا من منصة نظرية فقط.
لكن جوهر الإشكال ليس في الشخص، بل في الفكرة، فحين يُطرح أن الحل يكمن في أن يصبح عدد الوفيات أكبر من عدد المواليد، فإننا نكون أمام عودة صريحة — أو شبه صريحة — إلى منطق مالتوسي قديم، صاغه الاقتصادي الإنجليزي “توماس روبرت مالتوس” في كتابه الشهير An Essay on the Principle of Population عام 1798.
مالتوس افترض أن السكان ينمون بوتيرة أسرع من الموارد، وأن النتيجة الطبيعية لذلك هي المجاعات والأوبئة والحروب، باعتبارها “آليات تصحيح” تعيد التوازن بين البشر والغذاء.
لكن التاريخ نفسه كذّب حتمية هذه الرؤية، فالثورة الصناعية ضاعفت الإنتاجية، والتقدم التكنولوجي وسّع حدود الموارد المتاحة، ودول بلا ثروات طبيعية تُذكر استطاعت أن تحقق تنمية مذهلة عبر الاستثمار في التعليم والصناعة والمعرفة.
المشكلة إذن ليست في “العدد” في ذاته، بل في طريقة تنظيم المجتمع لإنتاجه وتوزيعه، المشكلة الحقيقية في تلك التصريحات تكمن في تحويل النقاش من الأسئلة الملحة لمجتمعنا، من قبيل: كيف نخلق فرص عمل؟ وكيف نرفع الإنتاجية؟ وكيف نحقق عدالة ضريبية؟
إلى سؤال عبثي تماما: كيف نقلل عدد السكان ؟، فهذا المنطق لا يبحث عن حل للأزمة، بل يعيد تعريفها بطريقة تُعفي السياسات الاقتصادية القائمة من المساءلة.
الحديث عن “ندرة الموارد” يُطرح أحيانًا وكأن التنمية لا تتحقق إلا في بلد يملك نفطًا وذهبًا ومعادن استراتيجية. لكن التجربة العالمية تثبت أن رأس المال البشري مورد لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، بل يفوقها أحيانًا.
الندرة ليست قدرًا طبيعيًا مطلقًا؛ إنها في كثير من الأحيان نتاج سوء إدارة، وضعف تخطيط، واختلال أولويات، في أطوار أزماتها، تميل النظم الرأسمالية إلى تحميل الفقراء مسؤولية فقرهم، وتحميل البطالة مسؤولية العاطلين، وتحميل الركود مسؤولية السكان.
بدلًا من مساءلة النموذج الاقتصادي القائم على تركّز الثروة، والتوسع في الديون، وإهمال القاعدة الإنتاجية، يتم توجيه الأنظار نحو “الضغط السكاني” باعتباره أصل البلاء، أو احيانا السبب الوحيد.
لكن التاريخ التنموي يقول شيئًا آخر: المجتمعات التي رأت في البشر طاقةً إنتاجية واستثمرت فيهم، استطاعت تحويل الكثافة السكانية إلى ميزة تنافسية.
أما المجتمعات التي تعاملت مع الإنسان كعبء رقمي، فقد ظلت تدور في حلقة مفرغة من التبرير، السؤال الحقيقي إذن ليس: كيف نقلل عدد الفقراء عبر تقليل عدد الناس؟ بل كيف نغيّر نموذجًا اقتصاديًا ينتج الفقر رغم كل الموارد المتاحة؟
الفرق بين الطرحين هو الفرق بين رؤية ترى الإنسان عبئًا يجب تقليصه، ورؤية تعتبره الثروة الحقيقية التي يجب إطلاق طاقتها، وهنا يكمن جوهر المعركة الفكرية.





















