يشير الخبير المصرفي والاقتصادي د. أحمد شوقي إلى أن قرار مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 70 لسنة 2026 بشأن تنظيم نشاط التأمين التكافلي يمثل تحولًا تنظيميًا مهمًا في مسار تطوير صناعة التأمين الإسلامي في مصر، ويعكس توجهًا مؤسسيًا نحو تعزيز كفاءة واستدامة هذا القطاع الحيوي داخل سوق الخدمات المالية غير المصرفية.
وأكد شوقي في تحليله أن القرار لا يقتصر على كونه تحديثًا للوائح المنظمة للنشاط، بل يُعد خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة نموذج التأمين التكافلي، بما يحقق توازنًا بين متطلبات الحوكمة الشرعية والكفاءة المالية، ويدعم قدرة السوق على التوسع وجذب استثمارات جديدة.
نقلة نوعية في هيكل التأمين التكافلي
وأوضح أن الإطار التنظيمي الجديد يعالج عددًا من التحديات المزمنة التي واجهت القطاع خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها محدودية النماذج التشغيلية، والاعتماد شبه الكامل على نموذج الوكالة، بالإضافة إلى التعقيدات المرتبطة بإدارة الفائض التأميني، والحاجة إلى مواءمة أكبر مع المعايير الدولية، خاصة في أسواق مثل ماليزيا ودول الخليج.
ويرى أن القرار يمثل انتقالًا من مرحلة “التوسع غير المنضبط” إلى مرحلة “النمو المستدام القائم على إدارة المخاطر”.
مرونة جديدة في النماذج التشغيلية
ومن أبرز ما يميز القرار الجديد، بحسب شوقي، السماح بالجمع بين نموذج الوكالة والمضاربة، أو استخدام كل منهما بشكل منفصل أو في إطار هجين، وهو ما يمنح الشركات مرونة أكبر في إدارة نشاطها.
ويُوضح أن:
* نموذج الوكالة يعتمد على أجر ثابت مقابل الإدارة، ويتميز بالوضوح المالي لكنه يفتقر إلى الحوافز الاستثمارية.
* نموذج المضاربة يربط دخل الشركة بالأرباح الاستثمارية، مما يعزز الأداء لكنه أكثر تأثرًا بتقلبات الأسواق.
* النموذج الهجين يجمع بين الاستقرار التشغيلي والحافز الاستثماري، وهو الأقرب للتطبيق في الأسواق الإسلامية المتقدمة.
تعزيز إدارة المخاطر والملاءة المالية
وأشار التحليل إلى أن القرار يولي اهتمامًا خاصًا بملف إدارة المخاطر، من خلال تعزيز تكوين الاحتياطيات وتنظيم توزيع الفائض التأميني، بما يضمن استقرار صناديق المشتركين وحماية حقوقهم.
كما يساهم في رفع قدرة شركات التأمين التكافلي على مواجهة مخاطر متعددة تشمل الاكتتاب والاستثمار والسيولة، ما يعزز من قوة الملاءة المالية للقطاع ككل.
الحوكمة الشرعية في صدارة الأولويات
وأكد شوقي أن من أبرز ملامح القرار تركيزه على مفهوم “الحوكمة الشرعية”، عبر دعم استقلالية لجان الرقابة الشرعية داخل الشركات، بما يعزز الثقة في الصناعة ويضمن التزامًا حقيقيًا وليس شكليًا بمبادئ التمويل الإسلامي.
ويشير إلى أن قوة هذا القطاع لا تعتمد فقط على الالتزام الشرعي، بل أيضًا على جودة الحوكمة ووضوح المعايير واستقلالية الرقابة.
دعم تنافسية التمويل الإسلامي في مصر
ووفقًا للتحليل، يسهم القرار في تعزيز تنافسية سوق التأمين التكافلي عبر:
1. زيادة مرونة تصميم المنتجات الاستثمارية والتأمينية.
2. جذب استثمارات جديدة، خاصة من المؤسسات المهتمة بالتمويل الإسلامي.
3. تنشيط الابتكار في منتجات التأمين مثل التأمين الطبي والعائلي ومتناهية الصغر.
4. تعزيز التكامل مع القطاع المصرفي الإسلامي والتأمين البنكي.
متطلبات المرحلة المقبلة
ورغم الإيجابيات الواسعة للقرار، يشير التحليل إلى أن نجاحه يتطلب مجموعة من المتطلبات الأساسية، أبرزها:
* تأهيل كوادر تجمع بين فقه المعاملات وإدارة المخاطر والاستثمار الإسلامي.
* تطوير أدوات استثمار متوافقة مع الشريعة لدعم نموذج المضاربة.
* تعزيز الحوكمة والشفافية والإفصاح داخل شركات التأمين التكافلي.
واختتم د. أحمد شوقي تحليله بالتأكيد على أن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية لا يمثل مجرد تعديل تنظيمي، بل يعكس تحولًا هيكليًا نحو بناء صناعة تأمين تكافلي أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة إقليميًا.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستعتمد على قدرة السوق على تحقيق التوازن بين الالتزام الشرعي والكفاءة الاقتصادية، بما يرسخ نموذجًا ماليًا إسلاميًا قويًا من حيث الرقابة والاستثمار والاستدامة.


















