حذر الدكتور أحمد شوقي، الخبير المالي والاقتصادي، من أن استمرار ارتفاع متوسط أسعار النفط عالميًا فوق المستويات التي بُنيت عليها الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، سيؤدي إلى ضغوط متزايدة على الاقتصاد المصري، تمتد من زيادة فاتورة الواردات البترولية إلى ارتفاع معدلات التضخم وتأثيرها على السياسة النقدية.
وأوضح شوقي، في تصريحات خاصة لـ«الحرية»، أن الموازنة الجديدة بُنيت على افتراض متوسط سعر خام برنت عند 75 دولارًا للبرميل، ومتوسط سعر صرف الدولار عند 47 جنيهًا، مع وجود سيناريوهات تحوط لدى الهيئة المصرية العامة للبترول لمواجهة مستويات أعلى، إلا أن تجاوز أسعار النفط حاليًا مستوى 98 دولارًا للبرميل يفرض تحديات إضافية على المالية العامة.
زيادة فاتورة الواردات وضغوط على الموازنة
وأشار إلى أن مصر تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها من المنتجات البترولية، وهو ما يعني أن ارتفاع الأسعار العالمية يزيد تكلفة الواردات ويضغط على موارد النقد الأجنبي.
وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على الموازنة العامة، سواء من خلال ارتفاع تكلفة دعم الطاقة أو تحمل الهيئة المصرية العامة للبترول جزءًا من الفارق السعري، إذا لم يتم تعويضه عبر آليات التسعير أو إجراءات مالية أخرى.
ارتفاع التضخم وتأجيل خفض الفائدة
وأكد شوقي أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والتشغيل، وهو ما يؤدي إلى زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم.
وأوضح أن هذه الضغوط التضخمية قد تدفع البنك المركزي المصري إلى التريث في استكمال دورة التيسير النقدي وخفض أسعار الفائدة، لحين التأكد من احتواء موجة ارتفاع الأسعار.
تأثيرات على الإنتاج وميزان المدفوعات
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن ارتفاع أسعار النفط يزيد من تكلفة الإنتاج في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما قد يؤثر على تنافسية بعض المنتجات المصرية.
كما أشار إلى أن زيادة قيمة الواردات البترولية قد تؤدي إلى اتساع عجز الميزان التجاري، ما لم يقابلها نمو مماثل في الصادرات أو الإيرادات الدولارية.
تراجع القوة الشرائية وإعادة ترتيب الإنفاق
وأوضح شوقي أن انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات ينعكس على تكلفة المعيشة، بما يضغط على القوة الشرائية للأسر، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل.
وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة قد يدفع الدولة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، بما يقلص الحيز المالي المتاح للتوسع في بعض البرامج الاستثمارية والاجتماعية.
أدوات الدولة لاحتواء الصدمة
وأشار إلى أن وزارة المالية رفعت بالفعل مخصصات الاحتياطيات العامة لمواجهة المخاطر في موازنة 2026/2027 إلى نحو 4.6% من إجمالي المصروفات، مقارنة بمتوسط يقارب 2.5% في السنوات السابقة، بهدف تعزيز قدرة الموازنة على استيعاب الصدمات الخارجية، وفي مقدمتها تقلبات أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية.
وأكد أن الدولة تمتلك عددًا من الأدوات للتعامل مع هذه التطورات، من بينها تطبيق آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، وتنويع مصادر استيراد الطاقة، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي، إلى جانب تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات.
واختتم شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في ارتفاع أسعار النفط لفترة قصيرة، وإنما في استمرارها عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، لأن ذلك يحول الصدمة المؤقتة إلى ضغط دائم على الموازنة العامة والتضخم ومعدلات النمو، مشددًا على أن مرونة السياسة المالية، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين كفاءة الإنفاق، تمثل الركائز الأساسية للحد من تأثير تقلبات أسواق النفط على الاقتصاد المصري.




















