كشفت أحدث بيانات وزارة المالية عن استمرار الضغوط التي يفرضها ملف الدين العام على الموازنة المصرية، بعدما ارتفعت مدفوعات فوائد الديون بنسبة 22% على أساس سنوي خلال أول 10 أشهر من العام المالي الجاري، لتصل إلى نحو 2.02 تريليون جنيه، مقارنة بـ1.657 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
وبحسب التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية، استحوذت فوائد الديون وحدها على نحو 54% من إجمالي مصروفات الموازنة العامة للدولة، ما يعكس استمرار ارتفاع تكلفة خدمة الدين رغم التحسن النسبي في بعض مؤشرات المالية العامة.
تحسن في العجز الكلي والفائض الأولي
ورغم القفزة الكبيرة في مدفوعات الفوائد، أظهرت البيانات تحسنًا في الأداء المالي للدولة، حيث تراجع العجز الكلي للموازنة إلى 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة محل الرصد، مقابل 6.2% خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.
كما ارتفع الفائض الأولي إلى نحو 897 مليار جنيه بما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 536 مليار جنيه أو ما يعادل 3% من الناتج المحلي خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وهو ما يعكس نجاح الحكومة في تحقيق إيرادات تفوق المصروفات قبل احتساب فوائد الدين.
محمود محيي الدين: تكلفة خدمة الدين تقترب من نصف الصادرات
من جانبه، أكد الدكتور محمود محيي الدين أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري حاليًا، مشيرًا إلى أن أعباء خدمة الدين تقترب من 50% من إجمالي الصادرات.
وأوضح أن الإنفاق على خدمة الدين العام تجاوز الإنفاق على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والخدمات العامة، الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على الموازنة ويحد من قدرة الدولة على زيادة الإنفاق الاجتماعي والتنموي.
وأضاف أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة أو تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي قد يزيد من حدة المخاطر المالية، مؤكدًا أن تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة الاستثمارات الإنتاجية يمثلان أحد أهم الحلول لتخفيف أعباء الدين وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ستاندرد آند بورز: تراجع تدريجي مرتقب لتكاليف خدمة الدين
وفي السياق ذاته، توقعت ستاندرد آند بورز أن تبدأ تكاليف خدمة الدين الحكومي في التراجع تدريجيًا اعتبارًا من عام 2027، مدفوعة بانخفاض أسعار الفائدة وتراجع معدلات التضخم.
وأشارت الوكالة إلى أن قرار البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة إلى 27.25% خلال مارس 2024 بالتزامن مع تحرير سعر الصرف أدى إلى ارتفاع كبير في عوائد أذون وسندات الخزانة، وهو ما انعكس على زيادة مدفوعات الفوائد الحكومية.
وتوقعت الوكالة انخفاض نسبة مدفوعات الفائدة إلى الإيرادات الحكومية من 73% خلال عام 2025 إلى نحو 49% بحلول عام 2028، إلا أنها أكدت أن هذه المستويات ستظل مرتفعة مقارنة بالمعدلات المطلوبة لتحقيق استدامة مالية مريحة.
ما مستقبل ملف الدين في مصر؟
يرى خبراء الاقتصاد أن استمرار تحقيق فوائض أولية قوية وتحسن الإيرادات العامة يمثلان عاملين إيجابيين لدعم الاستقرار المالي، إلا أن السيطرة على فاتورة الفوائد ستظل مرهونة بمواصلة خفض أسعار الفائدة، وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بما يخفف الضغوط على الموازنة العامة ويحد من الاعتماد على الاقتراض لتمويل الإنفاق الحكومي.





















