في المقال السابق أثرنا قضية أهمية تقييم الأوضاع السياسية التي شهدتها مصر خلال الـ 15 سنة السابقة على ثورة 25 يناير المجيدة والـ 15 سنة التالية لها، وذلك لأن هذه الحقبة شديدة الثراء السياسي، ما يجعل تقييمها مدخل أساسي للإصلاح السياسي، واليوم نستكمل الحديث عن المسألة السياسية المصرية بتناول قضية العلاقة بين “الحياة السياسية” و”السلطة السياسية” و”الدولة المصرية”.
السياسة هي حياة الناس.. فالتعليم، الصحة، الطرق، المواصلات، الإسكان، الوظائف، التأمينات، الأحوال الشخصية، الإجراءات الجنائية، الصناعة، التجارة، الزراعة، السياحة، الخدمات، المحليات، الضرائب، الرسوم، الأسعار.. كلها أمور أساسية من جوانب حياة الناس تتعامل معها وتقررها وتنظمها وتؤثر فيها السياسة.
وبقدر ما يسمح للحياة السياسية بالتنفس وضخ الدماء الوطنية في شراينها، بقدر ما تشهد هذه الملفات مشاركة وحراك وتفاعل وتدافع وتحاور ونضج، ما يؤدي إلى مزيد من التحسين والإصلاح والتطوير والتغيير الإيجابي في أحوال الناس والدولة.
وبالنظر إلى مسيرة الحركة السياسية الوطنية المصرية -حيث أن لكن دولة خصوصيتها- نجدها كانت في معظمها بلا سلطة وبعيدة عن مؤسسات الدولة التي كانت في يد المستعمر المحتل، فالحياة السياسية كانت تهدف وقتها إلى تحرير الأرض واستقلال الدولة ومؤسساتها.
ولم تنتقل الحركة الوطنية المصرية إلى مساحة السلطة والدولة ألا في 1952 على يد الضباط الأحرار، وعندها انتقل الثقل السياسي للسلطة والدولة، غير أن وحدة الهدف السياسي المتمثل في التحرر والاستقلال استمرت حتى تحرير سيناء في حرب أكتوبر المجيدة 1973 واسترداد طابا في 1989، وكان لوحدة الهدف السياسي هذه أثر هام يتمثل في عدم وضوح الفوارق بين مساحة كل من: “الحياة السياسية” و”السلطة” و”الدولة”، ففي ظل الاحتلال لا مجال للاختلاف في التوجهات السياسية الداخلية ولا المعارضة، فلا صوت يعلو فوق صوت معركة تحرير الأرض.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن الرئيس أنور السادات الذي تعرض لاغتيال غادر عام 1981، كان آخر الرؤساء الذين وصلوا إلى مساحة السلطة من مساحة الحياة السياسية عبر حركة الضباط الأحرار، حيث أن كل من جاءوا بعده قد أنتقلوا من مساحة مؤسسات الدولة إلى مساحة السلطة، باستثناء فترة حكم الإخوان، وفترة حكومة حازم الببلاوي التي ضمت العديد من الوزراء الذين جاءوا لمساحة السلطة من مساحة الحياة السياسية، وهذا الاستثناء إنما جاء بفعل ثورة 25 يناير.
وبعد تحقق هدف التحرر والاستقلال، بدأ في عهد الرئيس حسني مبارك ظهور حياة سياسية عبر توجهات تختلف مع توجهات السلطة والدولة، غير أن السيطرة السياسية ظلت للسلطة والدولة، وذلك حتى مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير، حيث بدأ نشاط الحياة السياسية في الازدياد والتوسع والتصاعد وهو الأمر الذي استمر حتى ما بعد ثورة 30 يونيو، إلى أن بدأت مساحة الحياة السياسية في التراجع، وعادة السيطرة لمساحة السلطة والدولة مرة أخرى.
لكن مياة كثيرة كانت قد جرت في نهر السياسة المصرية خلال حقبة الـ 15 سنة السابقة على ثورة 25 يناير والـ 15 سنة التالية لها، من صعود وهبوط لمساحة الحياة السياسية، وهو ما جعل السلطة والدولة تولي قضية الحياة السياسية اهتماما، بعد أن أدركت مدى خطورة تأثيرها من جهة، وخطورة الفراغ السياسي الذي يترتب على غيابها من جهة أخرى، فبدأت تطرح بشأنها على مدار سنوات ما بعد 30 يونيو مؤتمرات ومبادرات وحوارات وكيانات.
غير أن العلاقة بين “الحياة السياسية” من جهة وبين “السلطة” و”الدولة” من جهة أخرى ظلت تمثل إشكالية تقف حجر عثرة أمام جهود ومحاولات إعادة إحياء “الحياة السياسية” و”الإصلاح السياسي”.
مُعضلة معادلة السياسية المصرية، بين سلطة ودولة ترى أن الحياة السياسية جاءت بقوى غير وطنية كان لها أثر تدميري على الدولة المصرية، وبين قوى سياسية وطنية ترى أن خنق الحياة السياسية هو الذي أحدث الفراغ السياسي الذي مكّن هذه القوى غير الوطنية من تهديد كيان الدولة المصرية، وأن اصطفاف القوى الوطنية إلى جانب الدولة هو الذي مكّن من القضاء على هذا التهديد.
مُعضلة معادلة السياسية المصرية، بين قوى سياسية وطنية ترى أن حماية “الدولة” من هذا التهديد تكّمن في إعادة إحياء الحياة السياسية لملئ الفراغ السياسي، وبين السلطة والدولة التي ترى أن أثمان هذا التهديد وتكلفة إعادة بناء الدولة كانت باهظة، وأن القوى السياسية لم ترتقي بعد لمستوى القدرة على تحمل عبء مسئولية التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الدولة المصرية خلال الفترة الحالية.
فيما ترى القوى السياسية الوطنية أن هذه التحديات تتطلب التعجيل بإعادة إحياء السياسية، الأمر الذي سيضخ كفاءات قادرة على دعم السلطة والدولة ومؤسساتها في مواجهة التحديات، وقيادات ذات اتصال بالجماهير قادرة على تدشين حلقة وصل بينهم وبين السلطة والدولة، حلقة وصل تجعل السلطة والدولة أكثر استجابة لاحتياجات وأولويات الجماهير، وتجعل الجماهير تصطف خلف السلطة والدولة لدعمها في مواجهة التحديات.
كما ترى القوى السياسية الوطنية أن التعجيل بإعادة إحياء السياسية، سيحمي السلطة والدولة من خطر الفراغ السياسي، ويحمي الجماهير من خطر تركهم فريسة سهلة للقوى غير الوطنية التي أكد رئيس الجمهورية في خطابه الأخير خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون” أنهم “لن يتوقفوا.. سوف يفكرون في وسائل اخرى للاضرار بمصر”.
مُعضلة معادلة السياسية المصرية، أنها تتطلب الفصل بين الدولة كمؤسسات رسمية محايدة سياسياً وبين السلطة السياسية، الفصل الذي يدعمه عدم إنتماء السلطة الحالية لأي توجه أو حزب سياسي.
حل مُعضلة معادلة السياسية المصرية الذي يتطلب التوازن والتكامل بين أطرافها “الحياة السياسية” و”السلطة السياسية” و”الدولة المصرية” هو مدخل أساسي وجوهري وهام لـ “الإصلاح السياسي”.
فالدولة هي الهدف الذي تسعى الحياة السياسية والسلطة السياسية عبر التوافقات والأختلافات السياسية بينهما لدعمها وتقويتها وإصلاحها وتحسينها باستمرار، فتقوية الحياة السياسية تؤدي إلى تقوية السلطة السياسية وزيادة شعبيتها، وبالتالي قوة الدولة وقدرة مؤسساتها على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية والرفاهية بشعبها ولشعبها.




















