قال المحامي طارق العوضي، عضو لجنة العفو الرئاسي، إن واقعة “القاضي المزيف” ليست حادثًا عابرًا يُطوى بمجرد ضبط فاعله وإحالته إلى التحقيق، بل هي جرح غائر في جسد الثقة العامة، وإنذار صريح بأن هيبة القضاء، وهي أثمن ما تملكه الدولة من رصيد معنوي، ليست منيعة كما نتوهم، وأن ثمة من يجرؤ على انتحال أسمى صفة تعرفها منظومة العدالة ليمرر بها أغراضه ويخدع بها من حوله.
وأوضح العوضي، خلال منشور له عبر صفحته على “الفيسبوك” أن القاضي ليس موظفًا عاديًا يُستبدل أو يُقلد، بل هو تجسيد حي لسيادة القانون ووجهه المرئي أمام المتقاضين والمواطنين، وأن من يعبث بهذه الصفة لا يخدع أفرادًا بعينهم فحسب، بل يطعن في صورة الدولة كلها، ويصيب بالخدش هيبة كل من يرتدي العباءة القضائية بحق بعد سنوات من الكد والنزاهة والتفرغ لخدمة العدالة.
ضرورة معالجة الثغرات والاعتماد على التحقيقات الرسمية لا منصات التواصل
وأضاف أنه لا يجوز أن تمر هذه الواقعة دون أن تطرح الأسئلة الحقيقية التي تكشف عن مكمن الخلل لا عن مجرد فعل فردي معزول، متسائلًا: “كيف تمكّن هذا المنتحل من اختراق الثقة العامة والإفلات، ولو مؤقتًا، من كل آليات الرقابة والتحقق؟ وهل الأمر لا يعدو كونه مهارة في التمثيل واستغلال المظهر والخطاب، أم أنه يكشف عن هشاشة حقيقية في منظومة التحقق من صفات شاغلي الوظائف العامة؟ وهل هذه الواقعة استثناء نادر، أم أنها الحلقة الظاهرة من سلسلة أطول من التلاعبات التي لم تُكتشف بعد ولا تزال تعمل في الظل؟”.
وتابع أن هذه الأسئلة هي جوهر أي مساءلة جادة، لأن الاكتفاء بمحاكمة الفاعل دون مساءلة الثغرة التي مكّنته معناه أننا نعالج العرض ونترك الداء، مشيرًا إلى أن انتحال صفة قاضٍ أو موظف عام لا يشكل جريمة واحدة، بل قد يتقاطع مع منظومة كاملة من الجرائم بحسب ما تكشفه وقائع التحقيق وتفاصيله، وهو ما يحدد حجم الخطر الحقيقي الذي مثّله هذا الفعل، ومدى الضرر الذي يمكن أن يكون قد لحق بأطراف تعاملت معه بحسن نية.
وأشار إلى أنه يجب التمسك بقاعدة لا تراجع عنها، وهي أن الحقيقة الكاملة لا تُستمد من التداول العشوائي على منصات التواصل الاجتماعي ولا من الروايات المتضاربة التي تتناقلها الألسن، وإنما من التحقيقات الرسمية وما ينتهي إليه القضاء من أحكام باتة، مؤكدًا أن التسرع في إصدار الأحكام الشعبية، ولو بدافع الغيرة على هيبة القضاء، قد يتحول هو ذاته إلى أداة ظلم تسبق العدالة بدلًا من أن تخدمها.
ولفت إلى أن أخطر ما تكشفه هذه الواقعة ليس سذاجة من صدّق، بل غياب أدوات تحقق رسمية فورية يمكن لأي مواطن أن يلجأ إليها للتأكد من صفة من يتعامل معه، خاصة حين يتعلق الأمر بمن يدّعون شغل مواقع حساسة كالقضاء، مؤكدًا أن التحول الرقمي في هذا السياق ليس تحسينًا إداريًا شكليًا، بل هو خط الدفاع الأول ضد استغلال أسماء الدولة ومؤسساتها، ولا عذر بعد اليوم لتأجيله أو التهاون في تفعيله.
واختتم العوضي منشورة بالتأكيد على أن اكتشاف مثل هذه الوقائع ليس دليل قوة في ذاته، فالوقائع تُكتشف دائمًا عاجلًا أو آجلًا، وأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في سرعة المواجهة، وحسم المساءلة دون مواربة، وتطبيق القانون على من ثبتت مسؤوليته أيًا كانت الصفة التي انتحلها، ثم استخلاص الدرس ببناء منظومة تحول دون تكرار العبث بهيبة القضاء مستقبلًا، مشددًا على أن الثقة التي تُهدر في لحظة لا تُستعاد إلا بعمل مؤسسي دؤوب، وصمت لا يليق بجلال العدالة أن يطول.




















