هناك خلط غير مقبول بين تفسير المشاعر وتبرير الجريمة.
فما صدر عن أصدقاء وزملاء سالي الجباس لا يمثل دفاعًا عن الجريمة ولا انتقاصًا من بشاعتها ولا محاولة للالتفاف على حق الضحية أو تخفيف المسؤولية عن مرتكبها، فالجريمة تظل جريمة وإدانتها واجبة أخلاقيًا وقانونيًا أيًا كان مرتكبها.
لكن ما عبّر عنه هؤلاء هو الوجه الآخر للمأساة : مأساة الذين انهارت أمامهم فجأة صورة إنسان عاش بينهم سنوات ثم وجدوا أنفسهم أمام حقيقة صادمة لم يكونوا يتخيلونها.
إنهم لا يرثون الجريمة بل يرثون الصورة التي ماتت في داخلهم. يرثون يقينًا كان راسخًا ثم انهار وذاكرةً أصبحت مثقلة بالأسئلة وإحساسًا قاسيًا بأنهم لم يكونوا يعرفون الشخص الذي ظنوا أنهم يعرفونه.
ليس كل تعبير عن الصدمة انحيازًا وليس كل حزن تبريرًا وليس كل محاولة لفهم ما حدث انتقاصًا من حق الضحية.
فالإنسان بطبيعته يحاول استيعاب الكارثة قبل أن يحكم عليها ويحاول التوفيق بين سنوات من المعرفة وواقعٍ جاء ليهدمها في لحظة واحدة.
إن العدالة لا تكتمل فقط بمعاقبة الجاني وإنما أيضًا بعدم تحويل كل من عرفه أو أحبه أو عمل معه إلى متهمين في مشاعرهم.
فلا يجوز أن نصادر حق الضحية في الإنصاف كما لا يجوز أن نصادر حق الآخرين في أن يصدموا وأن يحزنوا وأن يعترفوا بأنهم كانوا يجهلون الوجه الذي لم يظهر لهم يومًا.
فبين إدانة الفعل واحترام المشاعر الإنسانية مساحة لا ينبغي أن تُلغى لأنها هي المساحة التي تميز مجتمعًا يسعى إلى العدالة لا إلى الانتقام وإلى الفهم لا إلى محاكمة الضمائر.


















