تعجبني مقولة للكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل: نحن شجعان في مواجهة القبور.. جبناء في مواجهة القصور، مقولة تلخص أحوال بعض الشخصيات التي تتاح لها فرصة الظهور في وسائل الإعلام والثرثرة بما يجول بخاطرها بدون منطقة ولا منهجية.
فبعد أن انتشرت القنوات الفضائية صار أمثال هؤلاء ضيوفا على موائدها يتنقلون من هنا إلى هناك والمؤكد أن هذه القنوات العربية تدفع بالدولار مقابل معلومات أو آراء عن مصر بصفة عامة وعن زعمائها ومشاهيرها بصفة خاصة وعلى رأسهم الزعيم جمال عبد الناصر.
يتحدث هؤلاء وكأنهم كانوا يجالسون الزعيم أو الفنان المشهور أو السياسي البارز ويتناولون أدق تفاصيل حياته كما لو كانوا يشاركونه منزله وسيارته ومكتبه ومجالات نشاطه السياسي أو الفني.
أحدهم الدكتور مصطفى الفقي، وكانت تربطني به علاقة مقدرة، لا يترك فرصة إلا ويلمح بما يبدو وكأنه معلومات عن الزعيم وللأسف فإن بعضها يجب الشك فيه على الفور، واللافت أنه يمارس ذلك بدون إسناد لمصادر وهو الذي كان عضوا في غرفتي البرلمان سابقا –الشعب والشورى– ودخل مجلس الشعب على أسنة رماح السلطة عام 2005.
ذات مرة ألمح إلى أن الزعيم كان يشرب الخمر في بيت أنور السادات، وبذلك ضرب سمعة زعيمين بزلطة واحدة !! وضرب معهما سمعة السيدة جيهان السادات عندما قال إن عبد الناصر كان يشرب كأسا بعد العشاء فهي سيدة المنزل التي كانت تعد المائدة لرفيق زوجها وصديق العائلة!
ورغم تاريخ الفقي الاشتراكي وعضويته في منظمة الشباب الاشتراكي في زمن عبد الناصر، إلا أنه يكرر ما تردده اللجان الالكترونية الملكية والإخوانية ضد عبد الناصر وصار يشكك في تاريخ موثق في المراجع والصحف زمن الملكية.
رغم أن هذا لا يفيد شيئا وبالتأكيد لن يعيد الملكية ولن يضير الناصرية، وربما ألتمس العذر للفقي ففي هذه المرحلة من العمر قد يتبع الفرد مسالك نعجب لها إذا راجعنا بعض تاريخه الذي كان إيجابيا.
أما زاهي حواس فهو ألقى فرية وكأنه يتحدث عن الآثار التي لطالما سرقت وهربت في عهد ولايته آثار الجيزة، مدح – لا فض فوه – وكأنه عالم تاريخ ومحلل سياسي، العصر الملكي وكأنه كان شاهدا عليه ولم يتوقف لحظة ليقول شيئا عن الفقر والجهل والمرض , وعندما أراد الإفلات من الهجوم على ناصر.
قال: لا شك أنه زعيم وطني، لكنه ترك البلد لشورية عساكر!! شوية عساكر؟؟!! قادة القوات المسلحة،،شوية عساكر؟
لقد انتشرت في الفترة الأخيرة قنوات خاصة تستضيف هذا وتحاور ذاك مشعلة النار في ملفات لا نعلم ماذا وراءها وإلى أين ستذهب بنا، خاصة أننا في عالمنا العربي، تبدو ظاهرة الهجوم الحاد على شخصيات تاريخية غريبة ومذهلة.
فالزعيم جمال عبد الناصر، الذي ترك إرثا هائلا في المجتمع والسياسة، صار هدفا لهجوم لا يقف عند حدود العقل أو التاريخ، بل يتجاوزها ليحول وسائل الإعلام ساحة للمعركة الرمزية والنفسية.
المؤسف أن بعض الشخصيات لم تعاصر الرجل، ولم يتقاطع تاريخهم الشخصي مع سياساته، ولم تتأثر مصالحهم بشكل مباشر، ومع ذلك يشعلون النار في إرثه بغرض تدميره وكأنه تحد شخصي لهم.
التحليل النفسي يوضح الأسباب، الهجوم على شخصيات تاريخية، مثل جمال عبد الناصر، حتى بعد وفاتهم بعقود، لا يرتبط بالمصالح المباشرة أو التجارب الشخصية مع الزعيم نفسه، لكن كثيرا منهم يبحثون عن تمييز ذاتهم عن الماضي السياسي أو الاجتماعي.
هجومهم على رمز مثل عبد الناصر محاولة لإعادة تعريف هويتهم الفكرية والسياسية، أو لإظهار أنهم مختلفونعن الآخرين، هؤلاء يجدون في الهجوم على رمز تاريخي وسيلة للظهور والاعتراف الاجتماعي، حتى لو لم يكن لديهم موقف شخصي أو تاريخي.
هذا ينطبق على ما يسمى بالهيمنة الرمزية: الهجوم على رمز كبير يعطي إحساسا بالقوة والنفوذ، وبعد مرور عقود، تتحول صورة الزعيم في الذاكرة الجمعية إلى رمز أكبر من التاريخ الواقعي.
والهجوم على الرمز لا يتعلق بالحقائق، بل بما يمثله من سلطة رمزية أو تأثير على وعي الجماهير، وإذا نظرنا بمفهوم التحليل النفسي، يتضح أن هذا الهجوم ليس مجرد نقد تاريخي، بل صدى لصراعات داخلية.
فالهجوم على الرموز الكبيرة يتحول إلى آلية لإثبات الذات، ووسيلة لتأكيد الاستقلال الفكري والتميّز الرمزي، كل كلمة هجومية هي، في العمق، محاولة لتثبيت وجود الفرد أمام إرث جماعي يهيمن على الوعي، وكأن نقد الماضي يحرر الحاضر من قيوده.
في علم النفس، يعرف هذا السلوك بـ “posthumous aggression” أو الهجوم على الموتى، وهو صورة من صور الإسقاط النفسي، حيث تنسب للشخصية التاريخية صفات أو أخطاء تعكس صراعات أو إحباطات داخلية لدى المهاجم، ليصبح النقد متنفسا لمواقف رمزية لم يستطع مواجهتها في الواقع.
هؤلاء يهاجمون عبد الناصر وغيره في محاولة لتثبيت الذات أمام الرموز القوية ويحدث ذلك عندما يشعر الشخص بأن حضوره أو مكانته أقل من تاريخ أو إرث الزعيم، فيهاجمه دفاعا عن شعور النقص أو الإحباط الرمزي، ومهاجمو عبد الناصر يسقطون أخطاءهم وفشلهم على الزعيم التاريخي، ليصبح النقد موجها نحو شيء خارجي وليس نحو الذات.


















