لم يلتقي الزعيم جمال عبد الناصر وعلي خامنئي المرشد الأعلى لإيران أبدًا، لكن بينهما علاقة وهما أحياء وأيضا بعد موتهما. كان خامنئي الشاب في الحوزة الدينية متابع شغوف لما يجري في وطنه، وفي بداية خمسينات القرن الماضي تجرأ محمد مصدق رئيس وزراء إيران وأمم بترول بلاده الذي تستولي بريطانيا على معظم عوائده. كان العقاب إقالة وسجن مصدق وإعادة الأمور مرة أخرى إلى مجاريها بترتيب من المخابرات الأمريكية والبريطانية. تأثر خامنئي بهذا الحدث الجلل في بلاده. لكن بعد سنوات قليلة جاء جمال عبد الناصر بثورة وأمم قناة السويس. أعجب خامنئي بزعيم أرض النيل الذي سيطر على مقاليد ثروات بلاده وتحدى الاستعمار وجبروته واسترد ممتلكات مصر. ومنذ تلك اللحظة صار خامنئي متابعًا لناصر وانتصاراته وهو ما سيؤثر على طريقته ومنهجه في الحكم بعد ذلك.
بعد الثورة الإسلامية تولى خامني رئاسة إيران لدورتين وبعد وفاة الخميني صار المرشد الأعلى وأمسك بيده خيوط اللعبة السياسية في إيران وكان لاعبًا ماهر. ففي ظل الحصار الأمريكي الظالم المستمر منذ 47 عاما استطاعت إيران أن تحيا باستقلال وأن تتحدى الظروف وأن تطور سلاحها وسعت إلى صناعة القنبلة النووية وهو ما ألب عليها أمريكا وإسرائيل اللتين لا تريدان لدولة من دول المنطقة أن ترفع رأسها، لذلك شددوا الحصار الغربي على دولة فارس ذات الحضارة العريقة وسعوا لمنعها من امتلاك القنبلة النووية، رغم عدم الهمس لإسرائيل التي تملك السلاح النووي منذ عقود. قاوم خامنئي كالأبطال الأسطوريين، لكن يد القتلة طالته ولقي وجه ربه مع أسرته.
ناضل ناصر وقاوم الاستعمار، ومثله فعل خامنئي، حرص الاستعمار على قتل ناصر واستخدم أقوى سلاح، سلاح الخيانة. كما حرص الاستعمار المعاصر على قتل خامنئي، أيضًا بسلاح الخيانة الذي لا يخيب. الفرق في طريقة التخلص من الزعيمين، مات الأول بطريقة ساكنة، ومات الآخر بصاروخ. لطالما استخدمت أمريكا القتل سلاحا تمحو به خصومها. تخلصت من ناصر وصدام والقذافي وعلي عبد الله صالح، وكلهم من أصحاب الأصوات العالية ومن معتقني العروبة والقومية. وفي أمريكا اللاتينية تخلصت من جيفارا ومن الليندي في تشيلي وخطفت مادورو.
إن ملف الاغتيالات في السياسة الدولية، ليس حكاية بوليسية، بل مرآة لما صار عليه النظام العالمي، نظام تتجاور فيه الدبلوماسية مع مؤامرات الظل، والخطابات الأخلاقية مع غرف العمليات المغلقة. الدول الكبرى، منذ قرون، لم تعتمد القوة العسكرية وحدها في إدارة صراعاتها، بل احتفظت دائما بأدوات أكثر دقة وأشد غموضا: السم، الرصاصة، الطائرة المسيرة، أو الضربة الصاروخية التي تنفذ في لحظة محسوبة سياسيا قبل أن تكون عسكرية.
في القرن العشرين، ومع صعود أجهزة الاستخبارات الحديثة في أمريكا والاتحاد السوفييتي وغيرهما تحول الاغتيال من فعل فردي إلى أداة دولة. لم يعد الأمر مجرد تصفية خصم، بل رسالة مدوية: نحن قادرون على الوصول إليك أينما كنت.
بالسم، قتل ياسر عرفات وألكسندر ليتفينينك. أما الرصاصة فقد أنهت حياة شخصيات ثورية ومتمردة في ظروف مختلفة. اغتيال تشي جيفارا في بوليفيا لم يكن مجرد إنهاء حياة مقاتل، بل كان تصميما على إنهاء رمز عابر للحدود. لكن المفارقة أن الرصاصة أحيانا تصنع الأسطورة بدل أن تقتلها.
في العقود الأخيرة دخلت التكنولوجيا على الخط بقوة. الطائرات المسيرة والضربات الدقيقة جعلت الاستهداف عملية تدار من غرف مكيفة على بعد آلاف الكيلومترات. اغتيال قاسم سليماني في بغداد عام 2020 شكل نموذجا لمرحلة جديدة، لم يعد الاغتيال سرا كاملا، بل أداة ردع معلنة. التخلص من العدو جسديا يقدم بوصفه تحقيقا للعدالة أو للأمن القومي، لكنه في ذات الوقت يعيد تعريف حدود السيادة والقانون الدولي.
الاغتيال في السياسة الدولية ليس فعلا منفصلا، بل ذروة مسار يبدأ بالشيطنة الإعلامية، ويمر بالعقوبات والعزل، وينتهي بقرار يرى في إنهاء حياة الخصم حلا مختصرا لصراع طويل. لكنه حل يحمل مخاطره تصعيد غير محسوب، أو فراغا سياسيا، أو أسطورة تولد من تحت الركام. لم تكن السلطة يوما شأنا أخلاقيا خالصا، بل ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها المصالح مع القوة، وتحسم فيها النزاعات بوسائل لا تعترف دائما بالمعايير المعلنة في الخطاب العلني.
أمريكا لا تمارس نفس النهج مع دول آسيا، لأن بها دول كبرى تميل معها إلى سياسة الاحتواء والتوازن، لأن الدول التي تملك ردعا نوويا، أو اقتصادا ضخما، أو شبكة تحالفات واسعة، يصعب التعامل معها بالأساليب ذاتها. فالعلاقة مع قوى مثل الصين أو روسيا محكومة بتوازن ردع معقد يجعل خيار التصفية المباشرة مقامرة كبرى قد تشعل حربا عالمية.
إن شيطنة الخصم جزء من المعركة. الإعلام يصوغ صورة، والخطاب السياسي يبرر، ثم تتحرك أدوات القوة بأشكال متعددة، اقتصادية، دبلوماسية، استخباراتية، وأحيانا عسكرية. السياسة ليست صراعا بين الخير والشر بقدر ما هي صراع مصالح وقوة. وبين المثالية المعلنة والواقعية الخشنة.





















