بعد الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 تغيرت خريطة بلادنا العربية، رحلت الإمبراطورية العثمانية التي مثلت دولة الخلافة الإسلامية بعد قرون من حكمها المنطقة العربية بأكملها.
حرصت بريطانيا وفرنسا أكبر دولتين استعماريتين في ذلك الوقت على تجزيئ الوطن العربي حتى لا تعود بلاده دولة موحدة قوية . كان اتفاق سايكس – بيكو كارثة على العرب ندفع ثمنها حتى الآن، بل سنستمر في تكبد آثارها السلبية إلى زمن قادم.
ورغم رحيل الاستعمار , إلا أنه لم يترك وراءه خرائط فحسب، بل ترك أيضا أنماطا من الدول, دول ولدت لتؤدي وظيفة، ثم طلب منها لاحقا أن تتحول إلى أوطان.
ما فعله الاستعمار جعل دول المنطقة العربية لوحة من الفسيفساء , مجرد قطع متناثرة وأجزاء مختلفة تتجاور لتبدو كأنها لوحة واحدة , وهو ما ينطبق على كثير من الدول العربية التي نشأت في سياقات استعمارية أو وظيفية . بل جعل من غالبية الدول , كل منها لوحة فسيفساء.
الفرق بين الفسيفساء الفنية وفسيفساء الدول أن الفسيفساء الفنية يكون بين القطع المكونة لها انسجام مقصود وترتيب واعٍ يجعل التباين مصدر جمال.
أما في الدولة الفسيفساء فالتباين غير مدار ومفروض من الخارج دون أن يمر بعملية اندماج تاريخي طبيعية. هنا تتحول الفسيفساء من صورة جمالية إلى وصف مزدوج الدلالة، تعكس الغنى والتنوع، لكنها تكرس الهشاشة وسهولة التفكك.
يستخدم هذا الوصف كثيرا في الحديث عن مجتمعات أو دول عربية، حيث تتجاور طوائف وأعراق متعددة داخل إطار دولة واحدة, تبدو الدولة كلوحة مركبة من عناصر عديدة، لكل منها لونها الخاص وذاكرتها الخاصة.
خلق الاستعمار أيضا ما يعرف بـ”الدولة الوسادة”، ذلك الكيان الذي ينشأ لا ليعبر عن أمة بقدر ما يؤدي وظيفة، ولا ليجسد هوية بقدر ما يملأ فراغا بين قوى أكبر منه.
وهذا النوع من الدول موجود بين الدول العربية التي نشات مع وبعد الحقبة الاستعمارية . الفائدة الظاهرة لهذه الدول تكمن في تقليل فرص الاحتكاك المباشر بين القوى الكبرى، فهي تمثل منطقة امتصاص للتوتر، وتمنح الأطراف المتنافسة هامشا من المناورة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
كما أنها في بعض الحالات تستخدم كمنصات نفوذ غير مباشر ، حيث تستطيع القوى الكبرى التأثير دون تحمل أعباء السيطرة الكاملة.
الوجه الآخر أن الدولة الوسادة تولد بهوية هشة ، يجمع سكانها من فسيفساء عرقية أو دينية أو قبلية لا يجمعها تاريخ سياسي مشترك.
يتم هذا التجميع عبر ضم أقاليم مختلفة تحت سلطة واحدة، دون روابط ثقافية أو اجتماعية، مما يخلق توترات داخلية كامنة تنفجر في أي لحظة . هذه الهشاشة تجعلها عرضة للاضطراب، بل أحيانا تصبح ساحة صراع بالوكالة، حيث تتحول من حاجز يمنع الحرب إلى أرضٍ تخاض عليها الحروب.
أخطر سلبيات الدولة الوسادة أنها تبقي شعوبها في حالة بحث دائم عن هوية ، بين انتماءات متنازعة وحدود لا تعكس وجدانها . لم تبن على الاستقلال ورغم ذلك ينتظر منها الوحدة.
ومع تغيّر موازين القوى قد تفقد هذه الدول وظيفتها، فتترك لمصيرها دون سند ، أو تتحول من وسادة إلى ساحة . هذه التي تنشأ لحماية الاستقرار قد تحمل في داخلها بذور القلق ، والكيانات التي ترسم لتفصل بين القوى قد تصبح نقاط تماسٍ أكثر خطورة.
لن أذكر الدول العربية الفسيفسائية أو الدول الوسادة, لكن سأشير إلى أن من اكبر الأمثلة على الدولة الوسادة, أفغانستان, التي لعبت دور الدولة العازلة بين الإمبراطورية البريطانية في الهند والإمبراطورية الروسية في آسيا الوسطى خلال ما عرف بـاللعبة الكبرى . وكذلك بلجيكا التي أنشئت لتكون حاجزا بين فرنسا وألمانيا ، في محاولة لاحتواء طموحات القوتين.
إن الدولة الوسادة تعاني مشكلة في الهوية ، حيث يتسلل أثرها الأعمق إلى البنية النفسية لسكان الدولة نفسها، حيث يتحول السؤال عن الهوية إلى قلق وجودي يتكرر في الوعي الجمعي.
فالشعوب التي تجد نفسها داخل حدود لم تخترها ، وفي كيان لم يتشكل عبر مسارها الطبيعي، تعيش غالبا حالة من التردد بين الانتماء والاغتراب , انتماء مفروض بحكم الواقع ، واغتراب خفي عن مكنون الدولة.
هذا الوضع يولد ازدواجية الشعور الوطني . فهناك محاولة مستمرة لبناء رموز مشتركة, علم، نشيد، تاريخ رسمي، ومناهج تعليمية تصوغ رواية موحّدة.
لكن تبقى الهويات الفرعية, القبلية أو الطائفية أو الإثنية, أكثر رسوخا في النفس لأنها الأقدم والأقرب إلى التجربة اليومية. هذا يشكل نوع من الولاء المشروط، حيث يكون الانتماء إلى الدولة قائما بقدر ما توفره من أمان أو منفعة ، لا بوصفها تعبيرا عميقا عن الذات الجماعية.
إن ما خلقه الاستعمار يعيش بداخلنا كالمرض العصي على الشفاء , وهو أمر نعاني منه كثيرا , وتجسد أكثر خلال الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.





















