أدّى الفنان عادل إمام شخصية هامشية -عرفة مشاوير- في أحد أفلامه. كان “عرفة” مجرد شخص هامشي لا يلتفت إليه أحد إلا إذا احتاج لتوصيل طلبات. كان عرفة يخدم المعلم عسران، فتوة القرية الذي كانت ترتعب منه “الشناب”. اقترب عرفة من عسران لدرجة أنه عرف خباياه، وشاهده وهو يبدل ملابسه، وكيف أنه -رغم كل جبروته- ضعيف من الداخل، مصاب بالمرض والعجز. انتهز عرفة الفرصة عندما حانت له، وأنهى أسطورة المعلم عسران بعدما ضربه ضربًا مبرحًا.
يذكرنا هذا الفيلم بما يحدث حاليًا في ساحة الشرق الأوسط؛ إذ كان العالم يتوهم أن “الفتوة الكبير” لا يُهزم، رغم أنه خسر من قبلُ كل معاركه بالمعنيين السياسي والعسكري، لكنه كان قادرًا على إحداث الدمار في كل معركة يشعلها لأنه يملك إمكانيات عسكرية هائلة. لدينا إيران التي لطالما استجابت لنداء التفاوض، لكنها كانت تخرج “من المولد بلا حمص”، ورغم ذلك تصر أمريكا وإسرائيل على ضربها. ولما وقعت الواقعة، فوجئ العالم بإيران تؤدب الاثنين، وتصل بصواريخها إلى قلب دولة الاحتلال، وتدمر مدنها.
التاريخ يعلمنا أن القوة قد تكون في ظاهرها صلبة، لكنها قد تخفي في داخلها هشاشة تنتظر من يعريها. هذه الصورة من عالم عادل إمام -حيث يتحول الشخص الهامشي إلى مركز القوة بمجرد أن يرى ضعف الفتوة- ليست مجرد حكاية سينمائية، بل هي انعكاس مكثف لما يتكرر في التاريخ والسياسة. وكذلك عند نجيب محفوظ في “الحرافيش”، حيث تتبدل مواقع القوة لا وفق شرعية أخلاقية ثابتة، بل وفق لحظة حاسمة يجرؤ فيها أحدهم على كسر الهيبة.
في التحليل الفلسفي، يمكن القول إن السلطة تقوم في جزء كبير منها على “الصورة الذهنية” لا على الحقيقة. فالحاكم أو القوة المهيمنة لا تستمد سطوتها من قدراتها المادية فحسب، بل من الإيمان العام بهذه القدرة. وهذا ما أشار إليه مفكرون كثر عبر العصور: الهيبة أو الرهبة هي نصف القوة إن لم تكن أكثر. وحين تتصدع هذه الصورة، حتى لو لم تتغير القدرات الواقعية كثيرًا، يصبح النظام كله عرضة للاهتزاز؛ فلحظة اكتشاف أن الفتوة مريض هي لحظة سقوط نفسي قبل أن تكون سقوطًا ماديًا.
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة؛ فالإمبراطوريات الكبرى لم تسقط دائمًا لأنها فقدت كل قوتها، بل لأنها بدت قابلة للكسر. الاتحاد السوفيتي في أواخر أيامه كان لا يزال يمتلك ترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل، لكن صورته كقوة لا تهزم تآكلت تدريجيًا، فانهار من الداخل أكثر مما هزمه الغرب من الخارج. وكذلك الحال في العديد من الثورات، حيث لا يبدأ الناس التمرد إلا عندما يشعرون أن القبضة التي كانت تخنقهم لم تعد محكمة كما كانت.
هذه القاعدة ليست ميكانيكية أو بسيطة؛ فليس كل من يتحدى القوة القائمة ينجح، وليس كل ضعف ظاهر يعني انهيارًا وشيكًا. أحيانًا يكون ما يبدو هشاشة مجرد تكتيك، أو مرحلة إعادة تموضع، أو حتى اختبار لردود الفعل. وفي أحيان أخرى، يكون المتحدي نفسه أقل تماسكًا مما يتصور، فيتحول من طامح إلى ضحية.
بالطبع، الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا أكثر تعقيدًا من حكاية فتوة مريض؛ فإيران كدولة ليست كيانًا بسيطًا يمكن اختزاله في صورة ضعف أو قوة مطلقة، بل لديها بنية داخلية معقدة، وأدوات نفوذ إقليمية، وقدرة على الصمود أثبتتها عبر عقود من الضغوط. في المقابل، خصومها أيضًا ليسوا كيانًا واحدًا متجانسًا، بل أنظمة متعددة المصالح والحسابات.
ما يحدث لا يعني بالضرورة أن أحد الأطراف اكتشف هشاشة نهائية لدى الآخر، بقدر ما يعكس “لعبة اختبار الإرادات”. كل طرف يحاول أن يقيس حدود الآخر: إلى أي مدى يمكنه الرد؟ وما الخط الأحمر الحقيقي؟ وهل الهيبة التي يعلنها تستند إلى استعداد فعلي للتصعيد أم إلى ردع نفسي فقط؟
في السياسة الدولية، إذا اقتنع طرف بأن خصمه لن يرد بقوة، فقد يندفع لتوسيع نطاق المواجهة. لكن في الوقت نفسه، هناك عامل الردع المتبادل الذي يجعل ضرب الفتوة مخاطرة قد تؤدي إلى دمار شامل، لا إلى مجرد استبدال حاكم بآخر كما في الحكايات الشعبية.
إن عالم “الحرافيش” يقدم استعارة جميلة، لكنه عالم مبسط مقارنة بتشابكات الدولة الحديثة. في القرية، الفتوة فرد، أما في السياسة الدولية فالفتوة هو شبكة مؤسسات، وتحالفات، واقتصاد، ورأي عام، وجيوش. وإسقاطه ليس بضربة واحدة، بل هو مسار طويل من الاستنزاف والتآكل.
الفكرة الجوهرية صحيحة ومؤثرة: كل سلطة تحمل داخلها بذور ضعفها، وكل هيبة يمكن أن تنكسر في لحظة ما. لكن من يجرؤ على الضرب؟ ومن يستطيع تحمل تبعات الضرب؟ في هذه الحالة، يخرج الواقع من بساطة الرواية إلى قسوة التاريخ، حيث لا يكون الانتصار دائمًا لمن يكتشف الضعف أولًا، بل لمن يفهم تعقيد القوة نفسها ويتمكن من استغلال الظروف.






















