“كل سيرة ذاتية ليست مجرد حكاية حياة، بل هي حوار متجدد بين الإنسان وذاكرته.”
تمثل السيرة الذاتية نافذةً يطل منها القارئ على رحلة إنسانية مليئة بالتجارب والتحديات والنجاحات. ويعرض كتاب “مشوار الحياة”.. يوميات صيدلانية، للكاتبة كريمة الحفناوي تلك الرحلة في ٤٠ فصلا يحتوي كل فصل منها حكاية، هم جزء من مراحل حياة الكاتبة والتي استغرقت اربعة وثلاثين عاما منذ عام ١٩٧٨ الى ٢٠١٢. استعرضت خلالها اهم منعطفات في حياتها مع بانوراما موازية لأهم الاحداث التي مرت بالوطن. هي سيرة زميلة استطاعت أن تجمع بين مهنتها كصيدلانية والعمل العام والفن، ضفيرة مجدولة بين ثلاثتهم ( بين الفن والسياسة والدراسة) شكلت سيرة حياتها.، فصنعت تجربة تستحق التأمل والقراءة. أبرزت العلاقة التكاملية بين العمل العام والفن، الذي لم يكن بالنسبة لها مجرد هواية، بل وسيلة للتعبير عن القيم والجمال والهوية، مما أضفى على تجربتها بعدًا إنسانيًا وثقافيًا مميزًا، يؤكد أن الإبداع يمكن أن يكون أداة فعالة للتغيير الإيجابي، وأن خدمة المجتمع لا تقتصر على مجال واحد، بل يمكن أن تتحقق من خلال عدة قنوات سياسية وفنية واجتماعية معًا.
إن «يوميات صيدلانية» لا تروى سيرة صاحبتها فحسب، وإنما تكتب سيرة جيل تفتح وعيه على التجربة الناصرية انتصاراتها وانكسارها وانكسار احلامه الكبرى معها، سيرة تفتح نافذة واسعة على جزء من الريف المصرى، وعلى علاقة الإنسان بالعادات والتقاليد، بالعلم، والفن، والعمل العام، والانحياز الدائم إلى الناس.
وتميزت السيرة الذاتية عند كريمة الحفناوي بأسلوبها الصادق والبسيط، وبلغة لا تتكلف الزينة، ولا تنشغل بإبهار القارئ. ولا تقع في فخ الاستعراض. إنها لغة تعرف أن قوتها في صدقها، وعفويتها.. لغة تنحاز إلى الصدق، وهو أصعب أشكال الكتابة وأجملها. فالسيرة الذاتية، كما يقول فيليب لوجون، “ليست مجرد وعد بالحقيقة، بل وعد بالصدق. والفرق بينهما كبير. فالحقيقة تنتمي إلى الوقائع، أما الصدق فينتمي إلى الرؤية”.
ولا تقتصر على سرد الحكايات، بل على دلالاتها، وهي تتناول أيضًا التحديات والعقبات التي واجهتها، كيف استطاعت تجاوزها بالإرادة والاجتهاد والإيمان برسالتها. فمنذ ان كانت طفلة لها حلمين متوازيين ان تكون فنانة وان تكون طبيبة تداوي الالم، ولكن مجموعها لم يسمح لها بدخول الطب فدخلت الصيدلة، لتبحث عن حلم جديد وطموح آخر، صالحا لخدمة الناس وتخفيف الألم.
وهذا ما يجعل الكتاب مصدر إلهام لكل من يسعى إلى تحقيق التوازن بين النجاح المهني والإبداع الفني وخدمة مجتمع البسطاء والمهمشين في القرى والنجوع الذين عاشت بينهم الكاتبة لسنوات طويلة. كيف يهرع إليها أهالي القرية لمدهم ليس فقط بالدواء ولكن ايضا بالنصيحة والمحبة والحكايا، لتصبح الست الدكتورة خلال تلك السنوات واحدة منهم.
. حين تنتصر الذاكرة على الزمن
وترصد في الفصول الأولى خطوات البداية ” الاختيار”
و” بين الجامعة وبيت الزوجية”، ” كلية العلوم …” و”اجمل فسحة في سينما جرين” حكايات حميمة خاصة تظهر بين السطور متعة الحياة البسيطة رغم محدودية الدخل..وتنطلق الكاتبة خلالها الى فضاءات العالم حيث
” اعتصام الطلبة في الجامعة، ثم حرب أكتوبر( وتطوعها في التمريض) ، والمسرح في الثقافة الجماهيرية( عشقها منذ الطفولة)، لتبدأ العمل في صيدلية في منطقة زنين ( منطقة زراعية وترعة .. ) حيث مجتمع ريفي ذكوري لكنها تحظى بثقة النساء واعجابهن، بينما عزف الرجال عن دخول الصيدلية لمدة شهور حتى اطمأنوا ( لشطارتها) “وأخيرا ..دخل عم الحاج الأجزخانة”.
وتبدأ بعد ذلك مرحلة امتدت لسنوات حين استأجرت صيدلية في قرية مزغونة( إحدى قرى جنوب الجيزة) ثم “صيدلية الأمل في برنشت” هل كانت وعدا بأمل جديد وحياة جديدة؟ حيث قضت ” ٢٨ عاما في قرية برنشت” وتبدأ معها ” سيدة علي درويش” العمل فيها. وانتقلت للحياة في البدرشين لتكون قريبة من عملها .. وهنا أصبحت جزء من مجتمع القرية العمل والسكن والحياة، لتغوص في تفاصيل الحياة اليومية لأهالي القرية الفرح والحزن والمرض والضعف الإنساني والأحلام والخيبات والخوف من الفضيحة والستر على البنات، في فصول متلاحقة تكاد تلهث وانت تقرأها، بينما صاحبتها عاشت سنوات تلهث وهي تلاحق عملها واحلامها ونضالها اليومي، فصول وتفاصيل تضم بين سطورها مخاوف البنات واحلامهن وتعاطف الاهالي معها لأنها لم تنجب إلا بنتين ” ما تزعليش يا ست الدكتورة ” أو مريدي الشيخ عبد الرحمن (اللي كله بركة) ” الشيخ .. والبرفان البخاخة”، وتأثير الإعلانات على الذوق العام ودورها في التثقيف والترفيه “عايز العلبة الزرقا دي” طبعا كان المقصود كريم نيفيا. ومن الفصول اللافتة ما احتوت على مقارنات ” اشمعنى ده اللي صورته في الجورنان” مقارنة بين ولاد القرية الذين يموتون في الأيام أو الشهور الأولى نتيجة لسوء التغذية ومشكلات الفقر، وابن الأميرة ديانا الذي كان موضوع الصحف طول فترة حملها وحتى ولادته.. وحتى في زلزال عام ١٩٩٢ “زلزال ..١٢ أكتوبر ١٩٩٢”، وانهيار نصف القرية ووفاة العشرات بينما ركزت الصحف على انهيار عمارة مصر الجديدة والعثور على طفل حي تحت الانقاض ( والدتها تحكي عن العمارة وهي تحكي عن أحزان القرية المكلومة.. وكرم اهل القرية ” جالي وجابلي زيارة ” والفرخة الوحيدة اللي عندي”. ومعتقدات الاهالي” اللبوس الاسمر بيجيب الولد”.
حتى الحرب بين العراق والكويت كان لها نصيب في الكتاب، حين دخل التليفون في الصيدلية أصبحت مثل سنترال القرية تستقبل مكالمات المسافرين لاهاليهم حيث كانت ام يحيى الجارة دائما تستقبل مكالمات زوجها ويدور اغلب حديثها عن الفلوس حتى نشبت الحرب “المهم إنت .. مش مهم الفلوس”.. ولم تنس انفلونزا الطيور وتأثيرها على ركود العمل بين العاملين في مزارع الطيور “مزرعة الطيور” بل وحتى حادث العبارة ” عبارة السلام ٩٨.. والموت غرقا” فصل يلمس شغاف القلوب وخاصة عند الحديث على تبرئة المسؤولين عن الحادث وتقاعس النجدة ..وموت أسر بكاملها في هذا الحادث الأليم..
ورغم ذلك نختتم الفصول بالعيد ” الليلة عيد” ليكون ختامها مسك..الليلة عيد ع الدنيا سعيد .
وكانت اغلب فصول الكتاب تحتوي على إحدى الاغنيات الشهيرة ..وطبعا هذا تأثير تغلغل الفن في نسيج حياة الكاتبة وبالتالي كان جزء اصيلا من الكتاب..
إنه يكتب سيرة القيم أكثر مما يكتب سيرة الأحداث، وسيرة الإنسان وهو يصنع أثره في الآخرين، لا وهو يعدد محطات حياته. وهذا في تقديري أحد أجمل رهاناته.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للسيرة الذاتية؛ أنها لا تحفظ الماضي من النسيان فحسب، بل تعيد إلينا إنسانيتنا كلما أوشك الزمن أن ينتزعها منا.
ويلفتني في هذا الكتاب أنه يراهن على التفاصيل الصغيرة؛ على الإنسان وهو يواجه يومه، لذلك تبدو صفحاته قريبة من القلب، لأنها كُتبت من قلبٍ عاش التجربة، ولم يكتفِ بالتأمل فيها من بعيد.
حيث يشعر القارئ أن الكاتبة لا تخاطبه من منصة عالية، بل تجلس إلى جواره، تحكي، وتتأمل، وتسأل، وتترك له حرية الوصول إلى استنتاجاته، واحيانا تغني له.
ولعل القيمة الأهم في هذا الكتاب أنه لا يقدم البطولة بوصفها إنجازًا فرديًا، بل باعتبارها ممارسة يومية لكل الشخوص تبدأ من الإخلاص للعمل، واحترام الإنسان، وأن العمل العام يمكن أن يكون فعلًا أخلاقيًا، وأن خدمة المجتمع ليست ترفًا، بل مسؤولية. والإيمان بأن الفن يمكن أن يكون رسالة.
انت هنا لا تحتفي بما أنجزته في حياتك بقدر ما تحتفي بالطريقة التي عشتِ بها هذه الحياة. فالإنجازات يدوّنها التاريخ، أما القيم التي يحملها الإنسان فتظل محفوظة في ذاكرة من عرفوه.
ولأن الكاتبة جاءت من فضاءات متعددة؛ العمل العام، والفن، وخدمة المجتمع، فقد انعكس ذلك كله على بنية النص. فلا يبدو الفن فصلًا مستقلًا عن الحياة.
فكان اشبه بسيناريو لمسلسل درامي، كل فصل عبارة عن حلقة منفصلة من هذا المسلسل الشيق والممتع.
صدق الراحل رجاء النقاش حين قال: “خير النقد ما كتبه قلبٌ يعرف، وعقلٌ ينصف.”
فهذه الجملة تلخص ما ينبغي أن تكون عليه قراءتك: شهادة محبة، لكن بضمير ناقد، وبعين قارئ.
كتاب يروي رحلة إنسانة ظلت، رغم تبدل الأزمنة وتغير الظروف، وفيًة لمبادئها، مؤمنًة بأن الثقافة رسالة، وأن الفن ضمير، وأن خدمة الناس ليست واجبًا عابرًا، بل أسلوب حياة.
تحية للصديقة كريمة الحفناوي التي استطاعت أن تنتصر على الزمن؛ لا لأنها أوقفت حركته، بل لأنها منحت أيامها معنى يستحق أن يُروى.
حياة الشيمي




















