قال المستشار نزيه الحكيم، إن تقييم أي برلمان يجب أن ينطلق من الدستور، وليس من عدد القوانين التي أُقرت، مؤكدًا أنه إذا كان معيار النجاح هو عدد التشريعات التي وافق عليها مجلس النواب، فإن دور الانعقاد الأول قد يبدو ناجحًا في نظر البعض، أما إذا كان المعيار هو أداء المجلس لاختصاصاته الدستورية، فإن الصورة تختلف كثيرًا.
وأوضح الحكيم خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن مجلس النواب لم يُنشأ ليكون جهة تصديق على ما ترسله الحكومة، وإنما سلطة مستقلة تمارس التشريع والرقابة معًا، مشيرًا إلى أن ما شهده دور الانعقاد الأول كشف عن اختلال واضح في هذا التوازن، حتى بدا وكأن السلطة التنفيذية تمارس اختصاصين في آن واحد؛ تضع مشروع القانون ثم تضمن إقراره.
وأضاف أن أغلب مشروعات القوانين مرت في وقت قياسي، دون أن يشعر الرأي العام بوجود مناقشات حقيقية أو حوار مجتمعي واسع أو تعديلات جوهرية تعكس ممارسة البرلمان لسلطته الدستورية كاملة، متسائلًا: “إذا كانت الحكومة تضع القوانين، والبرلمان يوافق عليها كما جاءت، فأين القيمة المضافة التي قدمها ممثلو الشعب؟”.
تراجع الدور الرقابي وصمت النواب في مواجهة الأزمات الاقتصادية
وأشار إلى أن أكثر من ثلث أعضاء المجلس لم يُسمع لهم صوت طوال سبعة أشهر كاملة، معتبرًا أن هذا الصمت لا يليق بنائب جاء لينطق باسم آلاف المواطنين، لأن النائب الذي لا يتحدث ولا يناقش ولا يعترض ولا يقترح لا يمارس جوهر النيابة، مؤكدًا أن الصمت داخل البرلمان ليس حيادًا، بل غياب عن أداء الواجب الدستوري.
وأكد الحكيم أن الدور الرقابي كان الحلقة الأضعف خلال دور الانعقاد الأول، موضحًا أنه في الوقت الذي واجه فيه المواطن أزمات اقتصادية متلاحقة وارتفاعًا غير مسبوق في الأسعار وتراجعًا في القدرة الشرائية، كان ينتظر برلمانًا يستدعي الوزراء ويحاسبهم ويُلزمهم بتصحيح السياسات، لا أن يكتفي بالتصفيق أو البيانات العامة.
وأضاف أن بعض الوزراء تعاملوا مع المجلس وكأن حضوره أو غيابه سواء، فلم يعد الوزير يشعر بوجود سلطة رقابية حقيقية تستطيع مساءلته أو إلزامه أو حتى إحراجه أمام الرأي العام، لافتًا إلى أن ذلك لا تتحمل مسؤوليته الحكومة وحدها، وإنما أيضًا مجلس النواب الذي تنازل عمليًا عن أهم اختصاص منحه له الدستور، كما تنازل عن دوره الرقابي عندما سمح بحضور مستشاري الوزراء نيابة عنهم، رغم أن المستشار، وفقًا للوائح، لا يتحمل مسؤولية الوزير.
وشدد على أن البرلمان ليس جمعية لتأييد الحكومة، ولا منصة للوجاهة الاجتماعية، ولا مكانًا للحصول على لقب “سيادة النائب”، وإنما سلطة دستورية، واحترامه يبدأ من احترامه لنفسه وممارسته لاختصاصاته كاملة دون تردد أو مجاملة.
وقال الحكيم إن دور الانعقاد الأول أثبت أن كثرة القوانين لا تعني جودة التشريع، كما أن هدوء القاعة لا يعني نجاح البرلمان، موضحًا أن البرلمان الحقيقي تُقاس قيمته بعدد المرات التي يدافع فيها عن حقوق المواطنين، وعدد الأخطاء التي يمنع وقوعها، وعدد الوزراء الذين يشعرون أن فوقهم رقابة حقيقية.
واختتم المستشار نزيه الحكيم تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين المواطن ومجلس النواب، لأن الناس لا تريد برلمانًا يوافق على كل شيء، وإنما برلمانًا يناقش ويعدل ويرفض عند الضرورة ويحاسب، ويقول للحكومة: “أحسنتِ عندما تُحسنين، وأخطأتِ عندما تُخطئين”، مؤكدًا أن ذلك ليس معارضة للدولة، وإنما جوهر الدولة الدستورية وروح النظام النيابي والضمانة الحقيقية لحماية المال العام وصون حقوق الشعب، مضيفًا أن هذا البرلمان يعتبره قطاع من المواطنين برلمانًا لا يمثلهم لأنه جاء، بحسب وصفه، “بغير إرادة حرة من المواطنين”.





















