قال المهندس هيثم الحريري، البرلماني السابق، إن تقييم أي مجلس نواب يجب أن ينطلق من الدستور، لا من الأرقام وحدها، مشيرًا إلى أنه رغم عقد المجلس 30 جلسة عامة وإقراره 162 قانونًا بإجمالي نحو 1580 مادة، وهي أرقام تعكس نشاطًا تشريعيًا ملحوظًا، فإن كثرة القوانين لا تعني بالضرورة جودة التشريع، كما أن سرعة الإنجاز لا تعني بالضرورة نجاح الأداء.
وأضاف الحريري أن التقييم الحقيقي لا يقاس بعدد القوانين، وإنما بمدى جودة هذه التشريعات، وحجم الحوار المجتمعي الذي سبقها، ومدى توافقها مع احتياجات الدولة والمواطنين، والأهم من ذلك أثرها الفعلي في تحسين حياة الناس، وتحقيق النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
تراجع الدور الرقابي ومطالب بتوسيع دائرة الحوار المجتمعي
وأكد أن الأداء الرقابي للمجلس كان أقل من المأمول، موضحًا أن مجلس النواب ليس سلطة تشريع فقط، بل هو سلطة رقابة ومساءلة أيضًا، وفي ظل ما تواجهه مصر من تحديات اقتصادية واجتماعية، كان المواطن ينتظر دورًا أكثر فاعلية في متابعة تنفيذ الموازنة العامة، ومحاسبة الحكومة على سياساتها، ومراجعة أولويات الإنفاق العام، ومتابعة ملفات الدين العام، والاستثمار، والتضخم، والأسعار، وجودة الخدمات العامة.
وأشار إلى أن الأرقام نفسها تستحق التوقف أمامها، موضحًا أن مشاركة 395 نائبًا بالحديث في الجلسات العامة تعني أن هناك عددًا من النواب لم تتح لهم أو لم يمارسوا فرصة المشاركة داخل الجلسات، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى إتاحة الفرصة لجميع ممثلي الشعب للتعبير عن دوائرهم والمشاركة في مناقشة التشريعات والقضايا العامة.
وأعتقد الحريري أن المجلس في حاجة خلال دور الانعقاد المقبل إلى توسيع دائرة الحوار المجتمعي قبل إقرار القوانين المهمة، والاستماع بصورة أوسع إلى الجامعات، والنقابات، ومنظمات الأعمال، والخبراء، والمجتمع المدني، لأن التشريع الجيد يبدأ بحوار جيد، والقرار الرشيد يولد من تعدد الآراء لا من الاقتصار على رأي واحد.
ضرورة تفعيل المساءلة الدستورية وتصحيح مسار السياسات الاقتصادية
وأوضح أن المعيار الحقيقي لنجاح مجلس النواب والحكومة معًا لا يتمثل في عدد القوانين التي تصدر، أو عدد البيانات التي تُلقى، وإنما في درجة رضا المواطنين عن السياسات العامة، وعن النتائج التي تحققت على أرض الواقع، لافتًا إلى أن المواطن لا يعنيه عدد التشريعات بقدر ما يعنيه أن يشعر بتحسن في مستوى معيشته، وتوافر فرص العمل، واستقرار الأسعار، وجودة الخدمات، وسيادة العدالة.
وأضاف أن نجاح البرلمان لا يقاس فقط بمنح الحكومة الثقة، وإنما بقدرته على ممارسة دوره الدستوري في مساءلتها ومحاسبتها، وإلزامها بتصحيح الأخطاء في تنفيذ الموازنة العامة، والالتزام بأحكام القوانين، وإعادة النظر في السياسات التي تثبت التجربة أنها لم تحقق أهدافها.
وأكد الحريري أن تراجع معدلات الرضا الشعبي عن الأداء الاقتصادي والاجتماعي يجب أن يكون جرس إنذار لكل مؤسسات الدولة، مشددًا على أن الحكومة مطالبة بمراجعة سياساتها وتصحيح مسارها، وأن مجلس النواب مطالب بممارسة رقابة أكثر استقلالًا وفاعلية، لأن وظيفته الأساسية ليست الدفاع عن الحكومة، وإنما الدفاع عن الدستور، وحماية المال العام، والتعبير عن مصالح المواطنين.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن قوة أي برلمان لا تُقاس بعدد القوانين التي يقرها، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين التشريع والرقابة، وبين دعم الحكومة عندما تُحسن، ومحاسبتها عندما تُخطئ، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم، مؤكدًا أن هذه هي الغاية الحقيقية لأي مؤسسة نيابية في دولة تسعى إلى بناء حكم رشيد وتنمية مستدامة.





















