في عصر التحولات الاجتماعية المتسارعة والانفتاح الرقمي، لم يعد حضور الفرد مرهونًا بجوهره الداخلي أو بعمقه الأخلاقي بقدر ما أصبح مرتبطًا بصورة يُنتجها ويُسوّقها.
وهنا تتجلى ظاهرة المِرْياع الحديث، الشخصية التي تستثمر المظاهر وتروّج الوجوه المصبوغة، في عالم يقدّر السطحية على حساب العمق، والصورة على حساب الحقيقة.
إن نقد هذه الشخصية المعاصرة يتطلب الرجوع إلى نظريات اجتماعية ونفسية لفهم كيف تتشكل الهويات وكيف تُقدَّم الذات أمام الآخرين.
تنظر نظرية الهوية الاجتماعية إلى الذات باعتبارها نتاجًا تفاعليًّا بين الفرد والمجتمع، فلا تتشكل الهوية بمعزل عن التفاعل مع الآخرين، بل تنشأ في سياق العلاقات الاجتماعية والرموز المشتركة التي يتبناها الفرد والجماعة معًا.
وفق هذه النظرية، تتأثر تصورات الذات جزئيًّا بنظرة الآخرين وتقويمهم لها، ما يجعل الفرد يسعى إلى تبنّي أدوار مقبولة اجتماعيًّا أو حتى مرغوبة روائيًّا في مساحة تفاعلية مع المجتمع.
في حالة المِرْياع المعاصر، تُستخدم هذه الهوية الاجتماعية كأداة للتمثيل والاستعراض، بحيث يصبح الشخص أكثر اهتمامًا بـ«الصورة الاجتماعية» التي يظهر بها بدلًا من التركيز على قيمه الجوهرية.
تتداخل هنا الهويات المُعطاة اجتماعيًّا مع الأدوار المصنعة التي يقدمها، مما يستدعي نقدًا سوسيولوجيًّا عميقًا لفهم كيف تُهيمن الصورة على الواقع، وكيف يصبح الأداء الاجتماعي بديلاً عن الحقيقة الداخلية.
يرتبط نقد شخصية المِرْياع ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العرض الاجتماعي للذات، كما ناقشه إرفنج جوفمان في نظرياته حول التفاعلات الرمزية، حيث يُنظر إلى الفرد كـ«ممثل» في مسرح الحياة اليومية.
في هذا السياق، تُمثّل الهوية أمام جمهور متخيل أو حقيقي، ويتكوَّن شكلها من خلال كيفية تقديم الذات وتأثير الآخرين عليها.
المِرْياع الحديث يتقن هذه الآليات؛ فكل وجه مصبوغ هو أداء اجتماعي يسعى إلى إقناع الجمهور، لا لإظهار الحقيقة الذاتية، بل لإرضاء توقعات مجتمعية أو للحصول على ردود فعل إيجابية.
في هذه الحالة، لا يكون الأداء خالصًا، بل هو محاولة لتسويق الذات تتجاوز حدود الحقيقة إلى حدود التمثيل البحت.
المردود الاجتماعي والنفسي
تؤدي هذه الصورة المزيفة إلى ما يمكن تسميته بـ«البطل الزائف»، ذلك الذي يبدو قويًا وقياديًّا لكنه في الحقيقة فارغ من العمق الحقيقي، معتمدًا على التفاعل السطحي مع الجمهور بدل العلاقات الإنسانية الحقيقية.
في هذا الإطار، تُبرز الدراسات النفسية والاجتماعية أن الشخصيات التي تُقدَّم بصورة قوية للغاية قد تستمد قوتها أكثر من صورتها في أعين الآخرين، وليس من واقعها الداخلي، مما يولد فجوة بين ما يبدو عليه الشخص وما هو في جوهره.
إن هذه الهوية الزائفة لا تؤثر فقط على الفرد نفسه، بل تمتد لتؤثر في الجماعة، بما قد يثير تفاعلات من نوع علاقات نفسية وهمية تنشأ بين الجمهور والشخصيات الإعلامية أو العامة، بحيث يتفاعل الجمهور مع هذه الشخصيات كما لو كانت جزءًا من حياته، رغم أن العلاقة سطحية وغير متبادلة.
في قراءة نقدية أوسع، تصبح شخصية المِرْياع المعاصر جزءًا من أزمة الهوية الأوسع في المجتمع الحديث، حيث تسود صور معتادة للهويات القابلة للتغيير أكثر من استقرارها.
الهوية هنا تتحول إلى متغير قابل للتمثيل والاستثمار بدل أن تكون ثابتة ومستمدة من قيم راسخة.
كما تؤكد الدراسات النقدية أن الثقافة ليست مجالًا منعزلًا، بل حقل صراع بين قوى اجتماعية متعددة تحدد من خلاله ما يُعتبر مقبولًا أو مرفوضًا، ومن خلال ذلك تتحدد حدود هويات الأفراد والجماعات.
إن المِرْياع الحديث: البطل الزائف في مسرح الحياة اليومية ليس مجرد شخصية ساخرة أو ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تجسيد لأزمة أعمق في فهم الذات والمجتمع في العصر الرقمي والمعاصر.
يعتمد على الأداء الاجتماعي بدل الجوهر، وعلى الواجهة بدل العمق، وعلى الصور بدل الحقيقة؛ وهي سمات تحتاج إلى نقد مستمر من منظور سوسيولوجي ونفسي وثقافي، لفهم تأثيرها على الذات الفردية وعلى تماسك المجتمع.
إن نقد هذه الشخصية وإدراك آليات تشكّل هويتها يمكن أن يساعدنا على التمييز بين الصورة والواقع، ويدفعنا نحو ثقافة تعلي من قيمة الجوهر والمضمون على حساب السطحية والمظاهر.

















