في زمن يبدو فيه التوسع الرقمي لكل ما هو ثقافي علامة على الحيوية، يفرض الواقع تساؤلات صادمة: هل كثرة المجلات والصحف الإلكترونية دليل على ازدهار المشهد الأدبي، أم على اختلاله العميق؟
ما كان يمكن أن يكون جسرًا للإبداع والوعي، صار في كثير من حالاته منصة للاختباء وراء وميض شعارات براقة تخفي مصالح شخصية مشبوهة، وعلاقات مغلقة، وشهرة زائفة تزيّف المشهد وتخدع المتلقي.
1- كثرة غير مشروعة… مؤشر على اختلال المشهد
لم تعد كثرة المجلات والصحف الأدبية والثقافية الإلكترونية دليلًا على حيوية المشهد، بل صارت في أغلبها علامة على اختلاله.
كيانات تُنشأ وتُدار وتُكتب وفق المزاج الشخصي، لا وفق معايير مهنية أو رؤى ثقافية واضحة، وتُفتح صفحاتها للأصحاب والشللية وشبكات المصالح، لا للكفاءة أو القيمة الإبداعية.
2- النشر الانتقائي بلا تقدير حقيقي
النشر في هذه المنصات، إن أُتيح، يكون غالبًا استكمالًا شكليًا للعدد، بلا مقابل مادي، وبلا أدنى تقدير معنوي.
تتكرر أسماء بعينها في كل إصدار بلا حدود ولا مساءلة، رغم تواضع مستوياتها، وغيابها شبه التام عن أي حضور قرائي خارج الدائرة المغلقة التي صنعتها لنفسها.
3- سبوبة مقنّعة واستغلال واضح
الأخطر أن هذه المنصات لا تعمل بدافع خدمة الأدب أو الثقافة أو الوطن، بل بوصفها سبوبة مقنّعة تُدار بمنطق تبادل المصالح، إذ تتخذ الرشوة أشكالًا متعددة: مالًا، وهدايا، ومصالح شخصية، وربما ما هو أبعد، في مشهد لا يمكن تبريره بحسن النية أو الادعاء الثقافي.
4- المنتديات الوهمية والشهادات الزائفة
إلى جانب ذلك، ظهرت منتديات على مواقع التواصل الاجتماعي تمنح بعض المبتدئين وأشباه المثقفين شهادات تقدير ودكتوراه فخرية مقابل مبالغ مالية، لأشخاص لا يفرّقون بين حرف الألف وكوز الذرة، ولا يعون قيمة الثقافة.
هذه الممارسات تعمّق وهم الشهرة الزائفة، وتكرّس سوق علاقات مغلقة بلا معنى، وتحول الثقافة إلى واجهة فارغة بلا جوهر.
5- خطورة هذه الظاهرة على الذائقة الثقافية
هذا الواقع لا ينتج ثقافة، بل يكرّس وهمًا ثقافيًا وشهرة زائفة تشبه الحمل الكاذب: انتفاخًا بلا حياة، وضجيجًا بلا أثر.
ويؤدي عمليًا إلى تشويه الذائقة العامة، وإقصاء الأصوات الجادة، وتحويل الفعل الثقافي إلى سوق علاقات مغلقة.
6- الحل: إطار قانوني ومساءلة صارمة
من أراد إنشاء مجلة أو صحيفة ثقافية حقيقية، فعليه أن يسلك الطريق المشروع عبر الخضوع لإشراف وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة، والعمل ضمن إطار قانوني ومهني واضح، لا عبر كيانات تُدار من الهامش وتُنتج من تحت السلم وتسيء إلى الأدب باسم الأدب.
ترك هذا العبث بلا مساءلة تواطؤ صامت مع تزييف الوعي الثقافي.
نحن بحاجة ماسّة إلى قوانين وضوابط وبنود رادعة تحاسب مدّعي الأدب، وتضع حدًا لتجارة الثقافة، وتحمي ما تبقّى من قيمة للكلمة.
وفي نهاية المقال أقول:
هذا بيان صارخ من موقع النقد الصادق.
ليس خلافًا شخصيًا، ولا نزوة نقدية، بل خطر ثقافي حقيقي.
والله على ما أقول شهيد.

















