أحسنت الدولة المصرية، باستقبال وزير خارجية جمهورية إيران الإسلامية، (عباس عراقتشي)، والوفد المرافق له، لمدة 48 ساعة، استقبله فيها السيد رئيس الدولة، ووزير الخارجية، وعدد من وزراء الخارجية المصرية السابقين في عشاء داخل منطقة الحسين، وسط القاهرة.
وقد كانت التصريحات طيبة تتضمن الود، والاتفاق على استعادة العلاقات التاريخية بين الدولتين (مصر/ إيران)، بكامل مستوياتها، وبكافة مجالاتها خصوصاً الاقتصادية والثقافية.
ولا شك أن عودة العلاقات واستعادة مضامينها، بين مصر وإيران، هو خطوة سياسية كبرى في إعادة رسم خريطة الإقليم وموازين القوى، وسط التحديات الكبرى التي تواجه المنطقة كاملة (عربياً/ شرق اوسطياً).
وقد اتضح أن الدولتين أدركتا مؤخراً، أولوية استعادة هذه العلاقات بينهما وسط التحديات التي تنذر بمخاطر شديدة على الإقليم، حاضراً ومستقبلاً، فما كانت تخشاه مصر من تداعيات سلبية، حال عودة العلاقات مع إيران، قد زالت. ومن ذلك مثلاً عودة العلاقات بين مصر والسعودية، بوساطة صينية، وتحدد في الاتفاق الذي تمت مفاجئة العالم به، وقبلت به أمريكا على مضض، تحديد موعد عودة العلاقات الدبلوماسية، وتبادل السفراء، وزيارات متبادلة بين وزيري الخارجية وكبار المسئولين وفق برنامج زمني لا يتجاوز الـ (90) يوماً.. الخ، وتحقق ذلك بالفعل وتمت إعادة العلاقات الكاملة بين البلدين.
كذلك فإن العلاقات بين إيران، والإمارات، اتسعت على كافة المستويات، الاقتصادية والسياحية، والعلاقات الكاملة دبلوماسياً.. الخ، وقد وصل حجم التبادل التجاري بين الدولتين نحو (25) مليار دولار، وحجم الرحلات في الطيران قد وصل عددها أكثر من عشرين رحلة أسبوعياً، ومستمرة يومياً.
ومن ثم فلا حساسية لدى الدولة المصرية من استعادة علاقاتها مع إيران، بعد اكتمال العلاقات الأخيرة مع السعودية والإمارات خصوصا، فضلاً عن العلاقات بين إيران وبقية دول الخليج وهي: (الكويت – البحرين – قطر – عمان)، علاقات كاملة وقوية.
ولعل ما يؤكد ذلك أن عاصمة سلطنة عمان (مسقط)، هي مقر إجراء الحوار الإيراني الأمريكي غير المباشر!! ومن ثم فإن ورقة الخليج العربي، ليست ضاغطة على القرار السياسي في مصر. وتبقى الورقة الأمريكية، كعنصر ضاغط للحيلولة دون عودة العلاقات، ومن خلفها الكيان الصهيوني ولو بشكل غير مباشر، فإن الدولة المصرية تستطيع أن تواجه ذلك، بأن دول الخليج وآخرها السعودية، قد استعادت العلاقات مع إيران، رغم التحفظ الأمريكي في هذا الصدد.
ومن ثم فإن تحرير القرار السياسي المصري من هذه الضغوط، قد سمح بحرية الحركة في اتخاذ القرار السياسي في هذا الشأن، رغم أنه تأخر طويلاً، ومنذ أيام مبارك، لو نتذكر اللقاء الشهير بين مبارك، وخاتمي، في سويسرا، في أواخر التسعينيات من القرن الماضي!! ولكن حسناً أن يأتي متأخراً، أفضل من ألا يأتي نهائياً!!
في هذا السياق، فقد كتبت كثيراً، في ضرورة إعادة هيكلة السياسة الخارجية المصرية نحو الشرق، بدلاً من الغرب، لأنهم يتعاملون معنا باحترام، وليس بالعنجهية الاستعمارية، وكشركاء ولسنا بتابعين على الإطلاق.
وقد كتبت في ضرورة البدء فوراً – منذ عدة سنوات – في استعادة العلاقات الكاملة مع سوريا، أولاً – وربما لو تواجدت مصر في سوريا ومعها، ما حدث الذي حدث!! ثم استعادة العلاقات الكاملة مع إيران، ثم أخيراً استعادة العلاقات الكاملة مع تركيا.
وقد رأيت أن تزايد العلاقات تدريجياً مع دول الشرق الكبرى (روسيا/ الهند/ الصين/ كوريا الشمالية/ اندونسيا/ ماليزيا) مع التخفيض التدريجي للعلاقات مع الغرب الاستعماري (أمريكا وأوروبا).
ولا زلت اعتقد في صواب هذا التوجه، لمصلحة مصر وأمنها القومي، ولكنني وقد أبارك هذه الخطوة، لما صاحبها من الاحتفاء الرسمي والإعلامي بزيارة وزير خارجية إيران، إلا أن ما يجب أن يصاحبها زيارة تبادلية لوزير خارجية مصر (الدكتور/ بدر عبد العاطي)، للعاصمة طهران، بعد أن تهدأ الأمور ووقف الحرب بين إيران والكيان الصهيوني التي اشتعلت فجر يوم 13 يونيو، ويصدر بيان رسمي يتضمن جدولاً زمنياً، بعودة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية الكاملة، وفتح خطوط الطيران، وتطور العلاقات الاقتصادية وتناميها، وتطوير العلاقات في مجال السياحة، خاصة الدينية وهي التي تدر عائداً كبيراً على الاقتصاد المصري، الذي هو في أحوج الظروف للمزيد من العوائد الخارجية وغير ذلك.
وفي هذا الصدد نذكر بأن حجم العلاقات الاقتصادية بين مصر وإيران لا تتجاوز (150) مليون دولار سنوياً، وهي المرشحة لكي تصل إلى (5) مليار دولار حال اكتمالها وتنوعها في كافة المجالات!
وختاما، نؤكد على سلامة التوجه المصري إلى إيران، واستعادة العلاقات، بشكل حقيقي، وليس لمجرد حدث عابر قد قاد إلى ذلك. فحاضر مصر ومستقبلها تستلزم بأن تكون السياسة الخارجية ديناميكية تحررية، وليست استاتيكية محافظة.
فمصر هي بلد التحرر والاستقلال، وهي تمثل قاعدة الدور والمكانة المطلوب استعادتها وفوراً، لأن الأحداث أسرع مما يتخيله أحد، بما له من تداعيات على موازين القوى في الإقليم.





















