قد تبقى العمارات كما هي لعشرات السنوات، دون أن تتعرض لانهيار أو تغيير كبير، ومع ذلك تتراجع قيمة المنطقة عاما بعد آخر، بينما ترتفع قيمة أحياء أخرى لم تشهد طفرة عمرانية ضخمة، هذه المفارقة دفعت خبراء التخطيط العمراني إلى التأكيد أن قيمة العقار لا ترتبط بعمر المبنى فقط، وإنما بعمر الحي نفسه، ومدى قدرته على التطور ومواكبة احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية، فالمبنى قد يظل ثابتا، لكن البيئة المحيطة به لا تتوقف عن التغير.
الحي يتغير قبل أن يتغير العقار
ويرى المتخصصون العقاريون، أن الأحياء تمر بدورات حياة تبدأ بالنمو، ثم الاستقرار، ثم التجديد أو التراجع، ويتوقف ذلك على جودة الخدمات، وحالة المرافق، وكفاءة الطرق، وقدرة المنطقة على جذب استثمارات جديدة.
ويشير المحللون، إلى أن بعض الأحياء فقدت جزءا من قيمتها بعد انتقال المؤسسات الحكومية أو الشركات الكبرى منها، أو بسبب تراجع مستوى الخدمات العامة، وهو ما أدى إلى انخفاض الإقبال على السكن والاستثمار، رغم أن المباني نفسها لم تتغير.
وفي المقابل، استطاعت أحياء أخرى أن تستعيد مكانتها بعد تنفيذ مشروعات تطوير للشوارع، وتحسين المرافق، وإعادة تنظيم المرور، وإنشاء مساحات عامة وخدمات جديدة، لتتحول مرة أخرى إلى مناطق جاذبة للسكان والمستثمرين.
كما أكد خبراء العقار، أن المحافظة على قيمة العقار لا تعتمد على المالك وحده، بل على الإدارة العامة للحي، ومستوى النظافة، والصيانة، وتنظيم الأنشطة التجارية، لأن هذه العناصر تصنع الانطباع العام عن المنطقة.
وألفت المتخصصون العقاريون، إلى أن المدن الناجحة لا تنتظر تراجع الأحياء حتى تبدأ تطويرها، بل تعتمد على خطط صيانة وتجديد مستمرة تمنع فقدان القيمة قبل حدوثه، وهو ما يضمن استدامة الاستثمار العقاري.
وأفاد المراقبون، أن المستثمرين أصبحوا يدرسون تاريخ المنطقة وخطط تطويرها المستقبلية قبل اتخاذ قرار الشراء، لأن مستقبل الحي قد يكون أكثر تأثيرًا من مواصفات العقار نفسه.
وفي النهاية، لا تتراجع قيمة العقار لأن الزمن مر عليه فقط، وإنما لأن الحي المحيط به توقف عن التطور، فكلما نجحت المدينة في تجديد شوارعها وخدماتها ومرافقها، حافظت على قيمة أحيائها، وأعطت للعقارات فرصة للاستمرار في النمو، لتبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل العقار يبدأ من مستقبل الحي الذي يقع فيه، وليس من عمر المبنى الذي يضمه.
اقرا ايضا: لماذا تزدحم بعض العمارات وتبقى أخرى هادئة؟.. أسرار التصميم التي لا يلاحظها السكان





















