في المقالين السابقين، حاولت طرح فكرة أن الأزمة السياسية في مصر لا تتعلق فقط بالأحزاب أو الانتخابات أو حدود المجال العام، وإنما تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بقدرة المجتمع نفسه على إنتاج السياسة؛ أي إنتاج الأفكار والقيادات والبدائل القادرة على التعبير عن مصالحه والمشاركة في صناعة مستقبله.
وفي المقال السابق تحديدًا، طرحت فرضية أن أحد التحولات المهمة التي شهدتها مصر خلال العقود الماضية تمثل في انتقال مركز إنتاج السياسة تدريجيًا من المجتمع إلى الدولة، بحيث تراجعت أدوار كثير من المؤسسات التي كانت تقوم تاريخيًا بإعداد القيادات وصناعة النخب وتوليد الأفكار والبدائل.
لكن إذا كان المجتمع قد فقد جزءًا من قدرته على إنتاج السياسة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بما حدث للسياسة، وإنما بما حدث للمجتمع نفسه.
فالسياسة ليست مجرد وسيلة لاختيار الحكومات أو إدارة الخلافات العامة، بل هي أيضًا إحدى الآليات التي تجعل المجتمع يشعر بأنه مجتمع؛ أي أنها تساعد الأفراد على إدراك وجود مصالح مشتركة وقضايا مشتركة ومستقبل مشترك يتجاوز حدود الاهتمامات الفردية الضيقة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تختلف مكوناته حول الأولويات أو المصالح أو التصورات المختلفة للمستقبل، فهذه الاختلافات طبيعية بل وصحية في أي مجتمع حي، وإنما أن يفقد تدريجيًا إحساسه بوجود مصلحة عامة ومصير مشترك يجمع بين أفراده.
وعندما يحدث ذلك لا تتراجع السياسة فقط، بل يبدأ المجتمع نفسه في فقدان إحدى الروابط التي تمنحه تماسكه وقدرته على التفكير في مستقبله بصورة جماعية.
فالمجتمعات لا تفقد السياسة أولًا، بل تفقد قبل ذلك شيئًا أكثر أهمية: إحساسها بأن لها مستقبلًا مشتركًا، وحين يضعف هذا الإحساس، لا يختفي الاهتمام بالشأن العام، لكنه يتغير؛ فتتراجع الأسئلة المتعلقة بما يمكن أن يربح به المجتمع كله، وتتقدم الأسئلة المتعلقة بما يمكن أن ينجو به كل فرد على حدة، ويتحول المجال العام تدريجيًا من مساحة للتفكير في المستقبل إلى مساحة للتعامل مع الحاضر والتكيف معه.
ومن هنا ربما يمكن فهم جانب من التحولات التي يمكن ملاحظتها في الحياة العامة اليوم، فالمواطن لم يتوقف عن الاهتمام بما يجري حوله، لكنه أصبح أكثر اهتمامًا بما ينعكس مباشرة على حياته الشخصية.
وليس مرد ذلك إلى أن هذه القضايا أصبحت أكثر أهمية من غيرها، بل لأن كثيرين لم يعودوا يرون رابطًا واضحًا بين مشكلاتهم اليومية وبين قدرتهم على التأثير في المجال العام أو المشاركة في توجيه مساره.
وهنا لا نتحدث عن أنانية أو لا مبالاة، بل عن تحول أعمق في العلاقة بين المواطن والمجال العام، فحين يشعر الإنسان أن تأثيره محدود، وأن صوته لا يملك القدرة الكافية على إحداث فرق، يتحول الاهتمام من محاولة التأثير في الواقع إلى محاولة التكيف معه، ومن التفكير في المستقبل المشترك إلى البحث عن حلول فردية للمشكلات الفردية.
وقد يبدو هذا التحول مفهومًا على المستوى الفردي، لكنه يصبح أكثر خطورة حين يتحول إلى ظاهرة اجتماعية واسعة. فالمجتمع لا يتكون فقط من أفراد يعيشون في المكان نفسه، بل من شبكة من الثقة والمسؤولية والتعاون والشعور بالمصير المشترك.
وحين تتراجع هذه العناصر، يصبح العمل الجماعي أكثر صعوبة، ويضعف الاهتمام بالمصلحة العامة، وتتآكل تدريجيًا القدرة على إنتاج التضامن والثقة والعمل المشترك.
ولا تقف آثار ذلك عند حدود المجتمع. فالمعارضة التي لا تجد مجتمعًا منخرطًا في الشأن العام تصبح أقل قدرة على تمثيل مصالحه الحقيقية أو التعبير عن أولوياته الفعلية، ونظام الحكم الذي لا يتلقى ما يكفي من التفاعلات الطبيعية القادمة من المجتمع يفقد إحدى أدوات فهمه لتحولاته واتجاهاته، أما الدولة فإنها تخسر تدريجيًا أحد أهم مصادر تجددها، لأن إنتاج النخب والقيادات والأفكار الجديدة لا يحدث داخل المؤسسات الرسمية وحدها، بل يحتاج دائمًا إلى مجتمع حي يمتلك القدرة على المشاركة والتفاعل وإنتاج السياسة.
لكن ربما تبقى الخسارة الأكبر في مكان آخر. فالمجتمع الذي يتراجع عن إنتاج السياسة لا يفقد فقط قدرته على إنتاج البدائل، بل يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج الأمل نفسه، لأن الأمل ليس مجرد شعور نفسي، وإنما انعكاس لإحساس الناس بأن المستقبل ما زال مفتوحًا أمام التغيير، وأن لهم دورًا في المشاركة في صناعته. وحين يضعف هذا الإحساس، لا تتراجع المشاركة فقط، بل تتراجع معها القدرة على الحلم أيضًا.
ولهذا فإن أخطر ما يحدث عندما يتوقف المجتمع عن إنتاج السياسة ليس تراجع الأحزاب أو انخفاض معدلات المشاركة أو ضعف النقاش العام، بل ذلك التحول الهادئ الذي يجعل المجتمع أقل قدرة على التفكير في نفسه بوصفه مجتمعًا له مصلحة عامة ومستقبل مشترك.
فالمجتمعات لا تتوقف عن إنتاج السياسة دون ثمن، وأحيانًا لا يكون الثمن سياسيًا فقط، بل اجتماعيًا وثقافيًا وإنسانيًا أيضًا.
فالمستقبل المشترك لا يُبنى بالصدفة، ولا يُحفظ بمجرد وجود المؤسسات أو القوانين، وإنما يحتاج إلى مجتمع يحتفظ بقدرته على التفكير في نفسه بوصفه مجتمعًا، وعلى إنتاج السياسة بوصفها أداة لصناعة هذا المستقبل، وحين تضعف هذه القدرة، لا تخسر السياسة وحدها، بل يخسر المجتمع جزءًا من تماسكه وأمله وقدرته على التجدد.
وإذا كان المجتمع قد تراجع عن إنتاج السياسة.. فمن ينتج السياسيين الذين يحتاج إليهم المستقبل؟



















