يشهد القطاع العقاري المصري مرحلة جديدة من إعادة التنظيم، في ظل التحركات الحكومية الأخيرة لبحث مخالفات بعض المطورين وتأخر تسليم المشروعات، بالتزامن مع الحديث عن قانون الوساطة العقارية الجديد، ومقترح إنشاء الاتحاد المصري للتطوير العقاري، وهي تحركات تفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقة بين المطور والوسيط والعميل، ووضع قواعد أكثر وضوحًا لضبط السوق.
وتتباين الرؤى حول شكل المرحلة المقبلة وآليات تنفيذها، إلا أن القاسم المشترك بين آراء العاملين والخبراء في القطاع يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين حماية حقوق العملاء، والحفاظ على استقرار الشركات الجادة، وضمان وجود جهة رقابية تتمتع بالحياد والكفاءة.
إعادة ضبط السوق.. تحركات مرتقبة لمواجهة المخالفات وتأخر التسليم
وقال محمد الحسيني المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إثمار للفعاليات العقارية، إن صدور قانون الوساطة العقارية الجديد بالتزامن مع تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي في ملف مخالفات المطورين وتأخر تسليم المشروعات، يعكس وجود توجه نحو إعادة ضبط وتنظيم السوق العقاري خلال الفترة المقبلة.
وأضاف الحسيني، عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، أن هناك، بحسب معلوماته، تحركات جديدة داخل الجهات الحكومية المعنية بالقطاع، تشمل وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية وأجهزة المدن، متوقعًا أن تشهد الفترة المقبلة إجراءات أكثر وضوحًا في التعامل مع ملفات المخالفات والتأخر في تنفيذ وتسليم المشروعات العقارية.
وأوضح محمد، أن المرحلة الحالية قد تشهد عملية ضبط وإعادة ترتيب داخل السوق، معتبرًا أن هذه الإجراءات ربما تكون لها آثار صعبة على بعض أطراف المنظومة على المدى القصير، لكنها قد تحقق فوائد أكبر للسوق على المدى البعيد من خلال رفع مستوى الانضباط وتنظيم العلاقة بين أطراف النشاط العقاري.
وطرح الحسيني، تساؤلًا حول الطرف الذي سيتحمل تكلفة هذه التغييرات والإجراءات الجديدة، في ظل إعادة ترتيب آليات العمل داخل القطاع، قائلًا إن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون: «مين هيدفع ضريبة التغييرات دي؟».
وسام البكري: الرقابة تأخرت.. وحماية العميل أصبحت ضرورة
من جانبه، قال وسام البكري، رئيس القطاع التجاري بشركة Red Saray، إحدى شركات Keller Williams في مصر، إن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن إنشاء أو تنظيم لجنة حكومية لمراجعة النشاط العقاري في مصر تمثل خطوة ممتازة، رغم أنها جاءت متأخرة، مشيرًا إلى أن غياب الرقابة الكافية على بعض المطورين تسبب في أضرار كبيرة لعدد من العملاء، وانعكس سلبًا على سمعة السوق العقاري المصري أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وأوضح البكري، أن عددًا كبيرًا من العملاء تعرضوا لخسائر مالية ضخمة نتيجة مشكلات مرتبطة ببعض المشروعات العقارية، لافتًا إلى أن بعض هؤلاء العملاء جمعوا أموالهم من «تحويشة الغربة»، قبل أن يتعرضوا خلال فترة قصيرة لمشكلات بسبب عدم تسلم الوحدات أو ظهور عيوب ومشكلات بها.
وأكد وسام، أن القضية لا تتعلق فقط بسمعة المستثمرين أو السوق العقاري المصري، وإنما تمتد إلى أبعاد أخرى وصفها بـ«الكارثية»، نتيجة ما يمكن أن تسببه خسارة مدخرات العمر من أزمات ومشكلات كبيرة للعملاء.
وطالب البكري، بوضع قوانين صارمة تلزم المطورين بتسليم الوحدات في المواعيد المحددة، وبالمواصفات التي تم الإعلان عنها والاتفاق عليها مع العميل، دون وجود أي خلل في التفاصيل التي تم إبلاغ العميل بها عند بداية التعاقد.
المساءلة لا تتوقف عند المطور.. والوسيط جزء من معادلة حماية العميل
وشدد رئيس القطاع التجاري بشركة Red Saray على ضرورة ألا تقتصر المساءلة على أصحاب شركات التطوير العقاري فقط، وإنما تمتد إلى موظفي المبيعات، بحيث تتم محاسبة أي موظف يقدم معلومة خاطئة للعميل، مع منعه من مزاولة المهنة في حال ثبوت مسؤوليته.
وأوضح وسام، أن تقديم معلومات غير دقيقة للعملاء تسبب في العديد من المشكلات التي تعرض لها المشترون، وهو ما يتطلب وضع منظومة واضحة للمساءلة تشمل جميع أطراف العملية العقارية، وليس المطور فقط.
حياد اللجنة.. الاختبار الأصعب أمام تنظيم السوق
وحول المطالب الخاصة بإنشاء سجل رقمي موحد للعقود المعتمدة، واتحاد مستقل للمطورين، وقاعدة بيانات موحدة تضم المشروعات والمطورين والوسطاء، أكد البكري، أن هذه الأفكار سليمة من الناحية العلمية، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع قد يواجه تحديات تتعلق بمعايير تشكيل اللجنة ومدى حياديتها.
وتساءل وسام، عن المعايير التي سيتم على أساسها تشكيل اللجنة، وما الذي سيضمن حيادها، مشيرًا إلى ضرورة أن تكون اللجنة متخصصة، مع الأخذ في الاعتبار أن غالبية المتخصصين في القطاع هم في الأساس أصحاب شركات عاملة بالسوق.
وأكد البكري، أن الشخص المسؤول عن إصدار الأحكام أو الفصل في القرارات والنزاعات بين المطورين يجب ألا يكون طرفًا أو مرتبطًا بأحد أطراف السوق، مشددًا على ضرورة إبعاد اللجنة عن أي تضارب في المصالح.
وأشار رئيس القطاع التجاري، إلى أن وجود شركات تابعة للدولة وتعمل في مجال التطوير العقاري يجعل مسألة الحياد من النقاط التي تحتاج إلى نقاش واضح، متسائلًا عما سيضمن وقوف اللجنة على مسافة واحدة من جميع المطورين إذا كانت هناك جهات مرتبطة بالسوق العقاري بشكل مباشر.
وشدد وسام، على ضرورة وضع معايير واضحة لتصنيف المطورين، وتحديد من يمكنه الاستمرار في مشروعاته أو الدخول في مشروعات جديدة، مؤكدًا أن الشفافية يجب أن تكون أساس هذه الإجراءات.
سعد الدين: اللجنة تسد فجوة زمنية لحين تأسيس اتحاد التطوير العقاري
وفي السياق نفسه، أكد المستشار أسامة سعد الدين محمد رجب، المدير التنفيذي لغرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، أن القرارات التي أصدرها رئيس الجمهورية مؤخرًا تمثل خطوة مهمة لاستعادة قدر كبير من الاستقرار وإنهاء حالة اللغط التي عانى منها المواطن المصري، مشيرًا إلى أن هذه القرارات ترتبط بشكل مباشر بملفات تمس المواطن والسوق العقاري.
وأوضح سعد الدين، أن القرار المتعلق بمتابعة الشركات التي لم تقم بالتسليم أو التي تواجه صعوبات في عمليات التسليم، من خلال تشكيل لجنة لمتابعة الأعمال والوقوف على أسباب التعثر، يستهدف بحث أسباب القصور ووضع الإجراءات اللازمة أو تصحيح الأخطاء في حال وجودها.
وأشار أسامة، إلى أن هذه الخطوة جاءت في سياق المطالب التي تقدم بها القطاع لإنشاء «الاتحاد المصري للتطوير العقاري»، موضحًا أن جميع السبل والمحاور الخاصة بالاتحاد تم وضعها بالفعل.
وكشف سعد الدين، أن مشروع القانون من المفترض أن ترفعه وزارة الإسكان أو رئاسة مجلس الوزراء إلى البرلمان خلال الدورة المقبلة، المقرر أن تنعقد في أكتوبر المقبل، موضحا أن إقرار المشروع سيمر بعدة مراحل قانونية، تبدأ بانعقاد الدورة واتخاذ القرار، ثم صدوره والحصول على موافقة رئيس الجمهورية، وبعد ذلك إعداد اللائحة التنفيذية.
وأضاف أسامة، أن هذه الإجراءات قد تستغرق وفقًا للتوقيتات القانونية نحو 10 إلى 11 شهرًا، وهو ما يجعل تشكيل اللجنة مهمًا لسد الفجوة الزمنية بين الوضع الحالي وصدور اتحاد التطوير العقاري بكل تفاصيله، بما يضمن تنظيم السوق العقاري باعتباره صناعة يمكن أن ترتقي بها مصر.
«إسكرو أكونت» وفض المنازعات.. أدوات مطروحة لتنظيم القطاع
وأكد سعد الدين، أن المطالب الخاصة بإنعاش السوق العقاري موجودة بالفعل ضمن المقترح والمحاور التي تم وضعها في مشروع «الاتحاد المصري للتطوير العقاري».
وأوضح أسامة، أن المشروع يتضمن إنشاء لجنة لفض المنازعات ومنحها السلطة الضبطية القضائية، إلى جانب تطبيق نظام «إسكرو أكونت» (Escrow Account)، ووضع عقد شبه موحد يتم من خلاله إزالة صفة الإذعان.
وأضاف سعد الدين، أن المقترح يتضمن أيضًا انضمام الوسطاء العقاريين إلى الاتحاد، وكذلك شركات الصيانة والإدارة، إلى جانب تشكيل لجنة استشارية داخل الاتحاد تضم متخصصين، بهدف إجراء الأبحاث والدراسات التي تخدم صناعة التطوير العقاري.
خريطة استثمارية لمصر.. رؤية تتجاوز تنظيم السوق
وأشار المدير التنفيذي لغرفة صناعة التطوير العقاري، إلى أن المقترح يتضمن كذلك مشاركة الاتحاد في إعداد الخريطة الاستثمارية لأراضي جمهورية مصر العربية على نطاق واسع، بهدف تحديد الشكل الذي يمكن أن تكون عليه مصر خلال الـ50 عامًا المقبلة.
وأوضح أسامة، أن هناك مساحة لا تقل عن 86% من مساحة مصر لم يتم استغلالها حتى الآن، وهو ما يتطلب تحديد أفضل أساليب استغلالها، ومعرفة المناطق التي تصلح للاستخدام السكني، وأخرى للاستشفاء والمستشفيات والجامعات والسياحة والإسكان.
وأكد سعدالدين، أن غرفة صناعة التطوير العقاري ستطالب بهذه الخريطة عند تأسيس الاتحاد، لإجراء الدراسات ووضع خطط العمل اللازمة، وكذلك بحث فرص الاستثمار في هذه المساحات.
بين حماية العميل واستقرار المطور.. السوق أمام مرحلة حاسمة
وتكشف تصريحات المصادر الثلاثة عن أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بمحاسبة المطورين المتعثرين أو مواجهة مخالفات بعينها، وإنما بإعادة بناء منظومة أكثر تنظيمًا للسوق العقاري، تضمن حقوق العملاء وتحمي المستثمرين وتدعم الشركات الجادة في الوقت نفسه.
فبينما يرى الحسيني أن السوق مقبل على إعادة ترتيب قد تكون تكلفتها صعبة على بعض الأطراف، يركز البكري على ضرورة الرقابة والحياد وحماية العميل من المعلومات غير الدقيقة والتأخر في التسليم، في حين يطرح سعد الدين رؤية أوسع لتأسيس اتحاد للتطوير العقاري يتولى تنظيم الصناعة وفض المنازعات ووضع آليات تمويل وحماية أكثر وضوحًا.
وفي النهاية، يبقى نجاح هذه التحركات مرتبطا بقدرتها على تحقيق معادلة دقيقة، وسوق أكثر انضباطا دون الإضرار بالمطور الجاد، وعميل أكثر حماية دون تعطيل الاستثمار، ورقابة أكثر قوة دون تضارب في المصالح.
اقرا ايضا: محمد حسني لـ الحرية : ضبط مهنة الوساطة واتحاد المطورين يعززان ثقة المستثمرين





















