لم يعد المطور العقاري في مصر يبيع أربعة جدران وسقفا فقط، فالمنافسة داخل السوق تتجه تدريجياً إلى سؤال أكبر: من يستطيع أن يصنع مجتمعا عمرانيا متكاملا ويضمن استمراره؟.
هذه التحولات تفرض نفسها مع اتساع رقعة العمران المصري، وانتقال النشاط العقاري من مشروعات منفردة إلى مدن ومجتمعات متكاملة، وهو ما يضع المطور أمام مسؤولية تتجاوز البيع والتسويق إلى التخطيط والتمويل والتنفيذ وجودة الحياة.
ومن هنا تبرز رؤيتا المهندس الاستشاري وليد مرسي، رئيس مجلس إدارة شركة DCI PLUS Architects وعضو جمعية رجال الأعمال، وأسامة زيدان، المحامي والمستشار القانوني لمجموعة شركات بروبرتي هيلز العقارية وصاحب مؤسسة ناجز للمحاماة، لتكشفا عن ملامح سوق عقارية قد يكون عنوانها الأبرز خلال السنوات المقبلة: المطور الذي يصنع قيمة حقيقية هو الذي يستطيع بناء مدينة قابلة للحياة، وليس مجرد بيع وحدات داخلها.
الأرض لم تعد هي القيمة.. القيمة في ماذا ستبني عليها؟
يرى أسامة زيدان أن الدولة خلال السنوات الماضية توسعت بقوة في طرح الأراضي أمام المطورين، بالتزامن مع طفرة عمرانية كبيرة في البنية التحتية والطرق والكباري والتجمعات الجديدة، لكن الحصول على الأرض لم يعد في حد ذاته كافياً لضمان نجاح المشروع.
فالمطور يحتاج إلى القدرة على تحويل الأرض إلى مشروع حقيقي، من خلال منظومة متكاملة تبدأ بالتخطيط والتصميم، مروراً بالتمويل والتنفيذ، وصولا إلى تسليم منتج قادر على جذب المواطن والمستثمر، وهنا تتغير معادلة الاستثمار العقاري: الأرض هي نقطة البداية فقط، وليست المشروع.
وليد مرسي: العقار الجيد يبدأ من التخطيط وليس من المبيعات
من زاوية هندسية، يؤكد وليد مرسي، أن جودة المنتج العقاري يجب أن تكون في صدارة أولويات السوق، مشيراً إلى أهمية التخطيط والتصميم والتنفيذ والاستدامة وتأثير المشروع على العمران وجودة الحياة.
وهذا يعني أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بعدد الوحدات التي تم بيعها أو حجم الإيرادات التي حققها، وإنما بما يضيفه إلى المنطقة التي يوجد بها.
فالمشروع الذي يضم وحدات سكنية دون تخطيط جيد للخدمات والحركة والمساحات وجودة البيئة العمرانية قد يحقق مبيعات في البداية، لكنه لا يصنع بالضرورة مجتمعا ناجحا على المدى الطويل.
وهنا تظهر المنافسة الجديدة بين المطورين: من يبني منتجا يعيش مع العميل سنوات، وليس منتجا ينتهي دوره بمجرد توقيع عقد البيع؟
التمويل يغير شكل المنافسة.. والمطور يحتاج إلى نفس طويل
المعادلة لا تتعلق بالتصميم والتنفيذ فقط، فالتمويل أصبح أحد أهم مفاتيح استمرار المشروع، حيث أشار زيدان إلى إمكانية استخدام أدوات مثل الصكوك العقارية لمساعدة المطورين الذين يمتلكون أراضي لكنهم يحتاجون إلى تمويل لاستكمال مشروعاتهم.
وهذه الأدوات، إذا توسع استخدامها بصورة منظمة، يمكن أن تغير شكل السوق؛ لأنها تمنح الشركات القادرة على التنفيذ فرصة الحصول على سيولة إضافية، بدلا من الاعتماد فقط على المبيعات والتحصيلات.
وبالتالي، قد يصبح السؤال عن المطور مستقبلا ليس فقط: «عنده أرض؟»، وإنما: «عنده نموذج تمويلي قادر على حمل المشروع حتى النهاية؟».
المستثمر الأجنبي لا يشتري وحدة.. هو يشتري ثقة في السوق
وهنا تظهر زاوية أخرى مهمة في مستقبل العقار المصري، كما اوضح أسامة زيدان أن المستثمر الأجنبي قبل دخول السوق يقوم بدراسة البيئة الاستثمارية والقانونية وحركة القطاع ومؤشرات البناء، وهو ما يعني أن جذب الأموال الأجنبية لا يعتمد فقط على سعر الوحدة أو قوة الطلب، والمستثمر يريد سوقا واضحة، وقواعد مستقرة، ومنظومة قانونية قادرة على حماية الاستثمار، ومشروعات يمكن تقييم مخاطرها.
وبالتالي، فإن تطور السوق العقارية المصرية لا يقاس فقط بحجم المبيعات المحلية، وإنما أيضاً بقدرتها على تقديم نفسها للمستثمر الخارجي باعتبارها سوقاً مؤسسية يمكن الاستثمار فيها على المدى الطويل.
المواطن بدأ يغير سؤاله.. «هستلم إيه؟» أهم من «هشتري بكام؟»
المنافسة الجديدة قد تنعكس أيضاً على سلوك المواطن، فمع ارتفاع قيمة الوحدة العقارية وزيادة مدد السداد، لم يعد العميل ينظر فقط إلى السعر والمساحة، وإنما أصبح أكثر اهتماماً بمستوى الخدمات، وجودة التنفيذ، وموقع المشروع، وفرص نمو المنطقة، وقدرة المطور على الاستمرار.
وهذا التحول يضغط بدوره على الشركات لتقديم منتج أكثر جودة، لأن العميل أصبح أكثر وعياً بأن شراء العقار ليس مجرد صفقة قصيرة الأجل، وإنما قرار مالي يمتد لسنوات.
من «شركة تطوير» إلى «مؤسسة عمرانية».. الرهان القادم
ما بين رؤية مرسي، المتعلقة بجودة التخطيط والاستدامة، ورؤية زيدان المتعلقة بالإطار القانوني والتمويل وثقة المستثمر، تتشكل صورة جديدة للمطور العقاري في مصر.
المطور الأقوى مستقبلاً لن يكون بالضرورة صاحب أكبر حملة إعلانية أو أكبر عدد من الوحدات المباعة، وإنما الشركة التي تستطيع الجمع بين الأرض والتمويل والتخطيط والقانون والتنفيذ والثقة، وهذا يعني أن السوق قد ينتقل تدريجياً من مفهوم «المطور الذي يبيع وحدات» إلى مفهوم أكثر اتساعاً: «المطور الذي يصنع مدينة».
وفي السوق تتحرك فيه مصر نحو التوسع العمراني وبناء مجتمعات جديدة، قد تكون هذه هي المنافسة الحقيقية خلال السنوات المقبلة: ليس من سيبيع أكثر، وإنما من سيترك وراءه مدينة أفضل.
اقرا ايضا:وزارة الإسكان تكشف الحقيقة لـ الحرية.. أين ينتهي دورها وتبدأ مسؤولية المطور العقاري؟






















