في السنوات الأخيرة أصبح المواطن يتعامل مع أي حديث عن الأسعار أو الدعم بحساسية شديدة، ليس لأنه يرفض الإصلاح أو يعارض التطوير لا سمح الله، ولكن لأن كل أسرة أصبحت تحمل فوق كتفيها أعباءً متزايدة من تكاليف المعيشة، وتحاول يوميًا إيجاد توازن صعب بين الدخل والاحتياجات الأساسية.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يثير الحديث عن التحول إلى الدعم النقدي حالة واسعة من القلق بين المواطنين، خاصة مع ما يتردد بالتوازي عن تغييرات محتملة في منظومة الخبز المدعم، سواء فيما يتعلق بوزن الرغيف أو تكلفته.
فالخبز في مصر ليس مجرد سلعة مدعومة ضمن عشرات السلع الأخرى، بل يمثل خط الأمان الأخير لملايين الأسر، وعندما ترتفع أسعار أغلب السلع الغذائية، يبقى رغيف العيش هو العنصر الثابت على موائد البسطاء، والملاذ الذي يساعد الأسر على تجاوز ضغوط الحياة اليومية.
لذلك فإن أي حديث عن تقليل وزن الرغيف أو تعديل سعره يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا يتجاوز بكثير الأرقام والحسابات المالية.
فالمواطن الذي يسمع عن احتمال انخفاض وزن الرغيف إلى 70 جرامًا، ويتابع في الوقت نفسه ما يتردد حول انتقال تكلفة الرغيف من 20 قرشًا إلى مستويات أعلى قد تصل إلى جنيه ونصف، لا ينشغل كثيرًا بالتفاصيل الفنية أو المبررات الاقتصادية، ما يشغله هو شعوره بأن المساحة الآمنة التي كان يعتمد عليها تتقلص يومًا بعد يوم.
وربما تكون لدى الدولة اعتبارات مالية واقتصادية تدفعها إلى مراجعة منظومة الدعم، وربما توجد مبررات تتعلق بكفاءة الإنفاق أو توجيه الموارد بصورة أفضل. لكن ما يشعر به المواطن في النهاية هو الأثر المباشر على حياته اليومية، وعلى قدرته على توفير احتياجات أسرته الأساسية.
المشكلة الحقيقية أن الدعم النقدي، مهما كانت مزاياه النظرية، يظل مرتبطًا بقيمة الأموال التي يحصل عليها المواطن، أما الأسعار فلا تتوقف عن الحركة. وما يكفي اليوم لشراء احتياجات معينة قد لا يكفي بعد أشهر قليلة إذا استمرت موجات الغلاء.
ومن هنا يتولد القلق الشعبي، ليس رفضًا للتطوير، وإنما خوفًا من أن تتحول الحماية الاجتماعية من دعم يضمن سلعة أساسية إلى مبلغ نقدي تتراجع قيمته مع الوقت، بينما تستمر الأسعار في الصعود.
الطبقات الفقيرة والمتوسطة لا تنظر إلى هذه الملفات من زاوية الموازنة العامة أو مؤشرات الاقتصاد الكلي، هي تنظر إليها من داخل المنزل، ومن أمام فاتورة السوبر ماركت، وفاتورة الكهرباء، ومن خلال احتياجات الأبناء، ومن حسابات آخر الشهر التي أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدًا.
ولعل أكثر ما يحتاجه المواطن اليوم ليس مزيدًا من الوعود، وإنما شعورًا بالاطمئنان بأن أي إصلاح اقتصادي لن يأتي على حساب قدرته على العيش الكريم، وأن الهدف من التطوير هو تحسين مستوى الحماية الاجتماعية لا تقليصها.
وفي مثل هذه القضايا المصيرية، لا يكفي الإعلان عن التوجهات العامة أو القرارات المرتقبة، بل يصبح الحوار المجتمعي ضرورة لا غنى عنها، فملف الدعم لا يخص الحكومة وحدها، ولا يقتصر تأثيره على أرقام الموازنة العامة، وإنما يمتد إلى حياة ملايين الأسر في المدن والقرى على حد سواء.
ولهذا فإن أي حديث عن التحول إلى الدعم النقدي يحتاج إلى نقاش واسع تشارك فيه الأحزاب السياسية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، وخبراء الاقتصاد والاجتماع، والأهم من ذلك المواطنين أنفسهم، فكل أسرة ستتأثر بهذه القرارات تستحق أن تعرف تفاصيلها وأن تكون جزءًا من النقاش حولها.
كما أن نجاح أي تحول في منظومة الدعم يرتبط بدرجة كبيرة بدقة البيانات التي ستُبنى عليها عملية تحديد المستحقين، فالتحدي لا يكمن فقط في توفير الموارد أو إعادة توزيعها، وإنما في ضمان وصولها إلى من يحتاجونها بالفعل.
وتجارب كثيرة أثبتت أن استبعاد أسرة مستحقة من الدعم قد تكون آثاره أشد قسوة من إدراج شخص غير مستحق يمكن تصحيح وضعه لاحقًا بالمراجعة والتدقيق.
فالأولى قد تجد نفسها فجأة عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية، بينما الثانية تظل مشكلة إدارية يمكن معالجتها. ولذلك فإن بناء قواعد بيانات دقيقة ومحدثة، ووجود آليات مراجعة وتظلم فعالة، يمثلان أحد أهم شروط نجاح أي إصلاح في هذا الملف الحساس.
فالناس لا تخشى الإصلاح عندما تشعر أنها شريك فيه، ولا تقلق من التغيير عندما تضمن أن حقوقها الأساسية لن تكون هي الثمن المطلوب دفعه.
لقد تحمل المصريون الكثير خلال السنوات الماضية، وواجهوا ظروفًا اقتصادية استثنائية بصبر كبير. ولذلك فإن أي تغيير يمس الدعم أو الخبز أو السلع الأساسية يحتاج إلى قدر كبير من الوضوح والشفافية، لأن هذه الملفات لا ترتبط بالأرقام فقط، بل ترتبط مباشرة بحياة الناس وأمنهم المعيشي.
فالخبز لم يكن يومًا مجرد رغيف، والدعم لم يكن مجرد بند في الموازنة.
كلاهما يمثلان بالنسبة لملايين المصريين شعورًا بأن الدولة ما زالت حاضرة إلى جوارهم في مواجهة أعباء الحياة، وأن العدالة الاجتماعية ليست مجرد شعار، بل التزام حقيقي بحماية الفئات التي أصبحت تواجه ضغوطًا أكبر من أي وقت مضى.
وفي النهاية، تبقى قيمة أي إصلاح اقتصادي مرتبطة بقدرته على حماية الإنسان قبل الأرقام، وحماية الأسرة قبل المؤشرات، والحفاظ على كرامة المواطن قبل تحقيق أي وفر مالي، فنجاح السياسات لا يُقاس فقط بما توفره للدولة، وإنما بما تحفظه للناس من استقرار وأمان وأمل في الغد.




















