سألني صديقي لماذا تكتب في الحب.. ألا توجد موضوعات أخرى تستحق؟.. فأجبت أكيد هناك ما يمكن كتابته ولكني أظن أن هذا الوقت وهذا الزمن القادم يحتاج إلى مزيد من الحب والتراحم بعد أن صهرت الإنسان عجلة الحضارة وقسوة الأيام، والكوارث المتلاحقة، وقد أعجبني بعض ماقرأت في الموسوعة الإنسانية للدكتور أحمد علي عثمان بأن الحب علم وتواجد في كل الديانات.
فكان” قادش” رمز الحب عند المصريين القدماء، “وكيوبيد” عند الاغريق و”فينوس”عند الرومان و”كريشنا”عند الهندوس والحب موجود عند أهل الكتاب، وفي الحديث النبوي، والقدسي، وفي القرأن، والحب في الصوفية، له أصناف عدة ومنها حب مادي، وحب غريزي، وحب عذري، وحب عام، وحب خاص.
والحب تربية قلبية ونفسية وعقلية وروحية وسمعية وبصرية وحسية، إذا ارتبط الحب بالعلم والتربية فقد يحتاج إلى التخلي، والتحلي، والتوازن، والإحسان، “واحسنوا أن الله يحب المحسنين”صدق الله العظيم.
قال ابن عربي وهو من أقطاب الصوفية، لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان، وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرأن، أدين بدين الحب انى توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني، علمًا بأنه ولد في الأندلس وساح إلى المغرب ومكث في مصر يبحث عن أقطابه المتصوفة إلى أن وصل مكة وعاش فيها بين أركان البيت الحرام ثم عاد إلى مصر ليلتصق بأحد أعمدة أزهرها.
وفي قول آخر الحب.. علم وإرسال وتمرين الحب أسرة وتراحم وتكوين، والحب درجات، الأول الإعجاب وهو الحب من أول نظرة، كما شدى عبد الوهاب وعرفت الحب من أول نظرة، ثم الانجذاب، وهو الرغبة في التقرب والتودد، ثم التعلق والانشغال، شغلوني وشغلوا النوم عن عيني ليالي “عبد الحليم”، ثم الهوى.
نتذكر مقولة يحيى شاهين في “بين القصرين” لكاتب بقالتة وهو يسالة عن البضاعة التي أخذتها زنوبة “العالمة”، فرد عليه: سجل عندك بضاعة اتلفها الهوى، ثم الصبوة وهي درجة الغزل، ويليها الشغف، حيث تلامس المشاعر شغاف القلب، ثم يأتي الوجد.. وهي مرحلة التفكير الدائم في المحبوب وهناك فرق بين حب الوجد وحب الحد وحب الفقد.
فالأول عرفناه والثاني مثل حب شادية “ياحبيبتي يامصر”، أما الثالث فهو الحب الأعمى الذي قد يفقدك الحبيب أو الوطن وهو الأخطر، ثم يلي ذلك الكلف أو الولع والتفكير العميق فيمن تحب ونصل إلى محطة العشق وهو الإشتياق الدائم الذي لا يهدأ، وربما يتم تقديم التضحيات من شدة التعلق “أحبك حبين، حب الهوى وحب لأنك أهل لذاك”، بصوت أم كلثوم في رابعة العدوية شهيدة العشق الالاهي.
النجوى هي محطتنا التالية.. شكواي أم نجواي في ليل الدجي ونجوم ليلي حسدي أم عودي أمسيت في الماضي، أعيش كأنني قطع الزمان طريق أمشي عن غدي “محمد إقبال على لسان كوكب الشرق”.
أما الشوق.. ااااه أقولك إيه عن الشوق ياحبيبي، فتناجي بها من تحب ولكل وجهته فمنا من توجه إلى خليلته ومنا من توجه إلى الحبيب الواحد وزيارة بيته العتيق أو لرسوله، “اللهم أرزقنا حبك، وحب من يحبك، وكل قول أو عمل يقربنا إلى حبك”.
أما الاستكانة فهي الشعور بالخضوع من شدة الحب فلا تقوى على رفاهية الرفض لأمر من المحبوب، تم يأتي الود، فهو سلاح المحبين فالعتاب يكون بـ هان الود عليك؟.
“وجعل بينكم مودة ورحمة” صدق الله العظيم، وهي مرحلة الحب الرقيق الذي يخلو من المشاعر المتأججة وهي نتاج العشرة، والتي تحل محل الوله والعشق فيرتبط الزوجين حتى يصبح الإستغناء مهما كان الخلاف شبه مستحيل.
واخيرًا.. مرحلة الوله والهيام فهما أعلى درجات الحب الخالص، فمحبة الله ورسوله سر ونور يتدفق إلى النفس والروح والجسد والعقل فيتم التعلق ومن تعلق نجا.
ولايمكن أن أُنهي حديثي عن الحب دون أن أعرج على هذه ليلتي، مهما كان جمال “سيرة الحب”، فاغرد بلسان ثومة وكلمات اللبناني جورج جرداق، “بعد حين يُبدل الحب دارًا والعصافير تهجر الأوكارًا، وديارًا كانت قديما ديارًا.. سترانا كما نراها قفارًا.. سوف تلهو بنا الحياة”، وتسخر: “فـ تعالى تعالى، أحبك الآن الآن أكثر”.
وعبدالله الفيصل، وعشقي لمن أجل عينيك عشقت الهوى، وإن كان عبد الوهاب محمد كان له رأي آخر، وهو: الحب كدة وصال ودلال ورضا، وخصام، وأهو من دة ودة الحب كدة، وفي قول آخر أحدت عليه كوكب الشرق أم كلثوم: “الحب هو الود والحنية عمره ما كان غيرة وظنون وأسية”.. ولعلي الآن أكون قد اجبت على السؤال.




















