على مدار عقود طويلة، ظل القضاء في وجدان المصريين يمثل الحصن الأخير الذي يلجأ إليه المواطن حين تضيق به السبل، وتتعثر أمامه طرق الإنصاف الأخرى، فحين يفقد الإنسان ثقته في الأشخاص أو المؤسسات أو حتى في قدرته على استرداد حقه بوسائل عادية، يبقى داخله يقين بأن هناك منصة عدالة يمكن أن تُنصفه في النهاية، ولو بعد حين. ومن هنا وُلدت العبارة الراسخة في الوعي الجمعي: “القضاء هو الملاذ الأخير للمواطن”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية المتسارعة: هل ما زال القضاء قادرًا على القيام بهذا الدور بذات الصورة الراسخة في أذهان الناس؟ وهل ما زالت الثقة الشعبية في العدالة القضائية على ذات الدرجة التي كانت عليها سابقًا؟
الإجابة المنصفة تقتضي قدرًا كبيرًا من التوازن والهدوء بعيدًا عن المبالغة أو الإنكار. فالقضاء المصري، باعتباره أحد أعرق المؤسسات الوطنية، لا يزال يحتفظ بمكانة كبيرة داخل الدولة والمجتمع، ولا تزال أحكامه تمثل عنوان الحقيقة القانونية، كما لا يزال ملايين المواطنين يلجأون إليه يوميًا طلبًا للإنصاف واسترداد الحقوق، وهذه الحقيقة لا يمكن تجاهلها أو التقليل منها.
غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بوجود تحديات حقيقية أصبحت تؤثر بصورة أو بأخرى على صورة العدالة في نظر المواطن العادي، ولعل أبرز هذه التحديات هو بطء إجراءات التقاضي في بعض الملفات، وتعقد الإجراءات، وتراكم القضايا بصورة تفوق أحيانًا القدرة الاستيعابية الطبيعية للمحاكم، فالمواطن البسيط لا ينظر إلى العدالة باعتبارها نصوصًا مجردة، بل يقيسها بمدى سرعة حصوله على حقه وقدرته على الوصول إلى حكم نهائي قابل للتنفيذ في وقت معقول.
فالعدالة البطيئة قد تتحول في بعض الأحيان إلى عبء نفسي ومادي على المتقاضين، حتى وإن انتهت في النهاية بحكم منصف، ولهذا ظهرت في الفكر القانوني الحديث مقولة شديدة الأهمية مفادها أن العدالة المتأخرة قد تقترب أحيانًا من صور إنكار العدالة.
كما أن اتساع حجم التشريعات وتعدد القوانين والتعديلات المستمرة أوجد حالة من التعقيد القانوني الذي أصبح يحتاج إلى جهد كبير حتى من المتخصصين أنفسهم، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على المتقاضين، خاصة في القضايا ذات الطبيعة الفنية أو الاقتصادية أو الإدارية المعقدة.
ومن ناحية أخرى، فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بصدور الأحكام، بل بقدرة المواطن على تنفيذها. فالقضاء يفقد جزءًا من هيبته حين يشعر المواطن أن الحصول على الحكم أسهل من تنفيذه، لأن قيمة العدالة لا تكتمل إلا بتحول الحكم القضائي إلى أثر واقعي ملموس.
ورغم هذه التحديات، يبقى القضاء حتى الآن المؤسسة الأكثر قدرة على الحفاظ على فكرة الدولة القانونية، فوجود قضاء مستقل ومحترم يظل الضمانة الأساسية ضد الفوضى وضد تحوّل النزاعات إلى صور أخرى من الصدام المجتمعي، ولهذا فإن أي دولة تسعى للحفاظ على استقرارها الحقيقي لا بد أن تضع تطوير منظومة العدالة على رأس أولوياتها.
إن تطوير القضاء لا يعني أبدًا التشكيك فيه، بل على العكس، يعكس الإيمان بأهمية هذه المؤسسة وخطورة دورها، فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على استقلال القضاء، وإنما أيضًا تطوير أدواته، وتسريع إجراءاته، وتبسيط مسارات التقاضي، والتوسع في التحول الرقمي، وتحسين آليات تنفيذ الأحكام، بما يعزز ثقة المواطن في أن العدالة ليست مجرد حق نظري، بل واقع يمكن الوصول إليه.
وفي النهاية، سيظل القضاء ـ مهما تعددت التحديات ـ هو آخر ما يتمسك به المواطن حين يشعر بالظلم. وقد تختلف درجات الثقة من شخص لآخر، لكن بقاء فكرة “الملاذ الأخير” في حد ذاتها هو أمر بالغ الأهمية لاستقرار أي مجتمع، لأن سقوط الثقة الكاملة في العدالة لا يهدد مؤسسة بعينها، بل يهدد فكرة الدولة القانونية ذاتها.

















