ليست كل الأسئلة الدستورية تُطرح بحثًا عن إجابة جاهزة، فبعضها يُطرح لأن النص ذاته يفتح بابًا واسعًا للتأمل، ويضع أمامنا أكثر من أثر قانوني للمخالفة الواحدة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم:
إذا تعاقد عضو مجلس النواب مع الدولة أو إحدى الجهات التي حظر الدستور التعاقد معها.. فما هو الأثر القانوني؟
هل ينتهي الأمر عند بطلان العقد فقط؟
أم أن الأمر قد يمتد إلى عضوية النائب ذاتها؟
الدستور المصري حسم جانبًا من المسألة بوضوح في المادة 109، حين حظر على عضو مجلس النواب، طوال مدة العضوية، أن يشتري أو يستأجر بالذات أو بالواسطة شيئًا من أموال الدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة والجهات التي حددها النص، كما حظر عليه أن يؤجرها أو يبيعها شيئًا من أمواله أو يقايضها عليه، أو يبرم معها عقد التزام أو توريد أو مقاولة أو غيرها.
ثم جاءت العبارة الحاسمة:
«ويقع باطلاً أي من هذه التصرفات».
إذن، من حيث الأصل، العقد المحظور دستوريًا يقع باطلًا.
لكن هنا تبدأ المسألة الأهم.
فالدستور لم يتحدث في المادة 109 عن بطلان العقد فقط، وإنما وضع هذا الحظر باعتباره قيدًا على عضو مجلس النواب طوال مدة العضوية.
ثم جاءت المادة 110 لتقرر أن عضوية النائب لا يجوز إسقاطها إلا إذا فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب على أساسها، أو أخل بواجبات العضوية، واشترطت لإسقاط العضوية موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.
ويؤكد قانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014 هذا المعنى، إذ قرر أن مخالفة عضو مجلس النواب لأي من الواجبات المنصوص عليها في الفصل الخاص بواجبات العضو تعد إخلالًا بواجبات العضوية.
وهنا يجب أن نتوقف أمام نقطة في غاية الأهمية:
بطلان العقد ليس هو بطلان العضوية.
فلا يصح أن نقول إن مجرد إبرام العقد المحظور يؤدي تلقائيًا، وبقوة القانون، إلى انعدام عضوية النائب؛ لأن الدستور وضع نظامًا مستقلًا لإسقاط العضوية، وأوجب صدور قرار بذلك من مجلس النواب بأغلبية الثلثين.
وفي المقابل، لا يصح أيضًا القول إن بطلان العقد ينهي المسألة ولا يمكن أن تكون للمخالفة أية آثار على العضوية؛ لأن الدستور نفسه ربط الإخلال بواجبات العضوية بإمكانية إسقاطها.
وهنا يظهر الفارق بين حالتين:
الأولى: بطلان التصرف أو العقد ذاته، وهو الأثر الذي نصت عليه المادة 109 صراحة.
والثانية: مدى اعتبار إبرام هذا العقد، بحسب ظروف الواقعة وطبيعتها وثبوتها، إخلالًا بواجبات العضوية على نحو يفتح الطريق إلى إجراءات إسقاطها وفق المادة 110.
أما القول بأن العضوية باطلة من تلقاء نفسها بمجرد إبرام العقد، فهو قول يحتاج إلى سند دستوري صريح، ولا يجوز الخلط فيه بين نظام الطعن في صحة العضوية المنصوص عليه في المادة 107، وبين نظام إسقاط العضوية أثناء قيامها والمنصوص عليه في المادة 110.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل العقد باطل؟
فهذه حسمها الدستور.
وإنما السؤال الأدق:
هل مخالفة الحظر الدستوري الوارد في المادة 109 تمثل في الواقعة المعينة إخلالًا بواجبات العضوية، وما مدى أثر ذلك على استمرار العضوية؟
وهنا تبدأ المسألة القانونية الحقيقية…
وهنا يجب أن يكون النقاش بالدستور والقانون، لا بالانطباعات أو الأشخاص.



















